مجلة الحياة العدد 19 - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٧٢وتتجلَّى استحقاقات الروعة البيانية في أسلوب النبي صلى الله عليه وسلم وتربيته الرحيمة لصحبه الأنصار الأخيار في موقف من أشد المواقف استدعاء للتأمل في قيمة الاستدراج ومعناه ومقصده، فلا أخال المرء يقوى على مقاربة شيءمن هذه الروعة عندما يلاحظ بحق أن من أرقى أساليب الاستدراج وأعظمه هو ذلك الموقف الذي خاطب فيه النبي صلى الله عليه وسلم جماعة الأنصار رضي الله عنهم، يستدرجهم بكلمات ربانية جمعت كل شمائل النفس البشرية، يتوجه بها لهم على ألسنتهم، لينتصف لهم من أنفسهم لو أرادوا الانتصاف لأنفسهم، وهو ما يجعلهم يفكرون فيما وراء ما ذكّرهم به النبي صلى الله عليه وسلم الذي فطن لما يمكن أن يعتمل في صدورهم ويختلج في دواخلهم وأخلادهم، فاختار لهم ما هو أفضل لهم وأبقى من «لعاعة» تذهب وتزول، لقد وجد بعض الأنصار في نفوسهم عندما أعطى النبي صلى الله عليه وسلم «ما أعطى من تلك العطايا (غنائم حنين) في قريش وفي قبائل العرب»،(1) فجمع النبي صلى الله عليه وسلم الأنصار في حظيرة قريبة وقال لهم: «يا معشر الأنصار ما قالةٌ بلغتني عنكم؟ وجِدة (حزن يشبه الغضب) وجدتموها عليّ في أنفسكم؟ ألم آتكم ضُلاّلا فهداكم الله، وعالة فأغناكم الله، وأعداء فألّف الله بين قلوبكم؟ قالوا: بلى، الله ورسوله أمنّ وأفضل، ثم قال: ألا تجيبوني يا معشر الأنصار؟ قالوا: بما نجيبك يا رسول الله؟ لله ورسوله المنّ والفضل، قال صلى الله عليه وسلم: أما والله لو شئتم لقلتم فلصَدقتم ولصُدّقتم، أتيتنا مُكذَّبا فصدَقناك، ومخذولا فنصرناك، وطريدا فآويناك، وعائلا فآسيناك، أوجدتم يا معشر الأنصار في أنفسكم في لعاعة من الدنيا تألفت بها قوما ليُسلموا ووَكَلتكم إلى إسلامكم؟ ألا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاة والبعير وترجعوا برسول الله إلى رحالكم؟ فوالذي نفس محمّد بيده لولا الهجرة لكنت امرأً من الأنصار، ولو سلك الناس شِعباً وسلكت الأنصار شِعباً لسلكت شِعب الأنصار، اللهم ارحم الأنصار، وأبناء الأنصار، وأبناء أبناء الأنصار»(2). فالنبي صلى الله عليه وسلم لا ينتصر لنفسه ـ وما كانت نفسه إلا مع الحق المبين ـ وإنما كان ينتصر لهم من أنفسهم، وهذا هو سر هذه الكلمات التي لا تكتفي بحجة ظاهرة وإن كانت صحيحة، فسبر