مجلة الحياة، العدد 19 مجلة الحياة

مجلة الحياة العدد 19 - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٧٣

أغوار نفوسهم وقال لهم بلسان الحال أنه لا يغيب عنه جهادهم ولا سابقتهم في الإسلام، ولكن أراد أن يبقى ذلك صفواً من كل دخن، بعيدا عن كل منّ، لا جزاء له إلا الرضى من الله ورسوله.

من المواقفالتي نهج فيهاالنبي صلى الله عليه وسلم شرعة الحكمة البالغة وسنّ فيها للمسلمين سنن الاستدراج بوضوح لا تشوبه شائبة من شك ولا يعتريه شيء من ريب أو وهم، موقف الحديبية، فقد مهد النبي صلى الله عليه وسلم لهذا اليوم التاريخي المشهود بسلوك مسالم منذ الوهلة الأولى التي اعتزم فيها اعتمار بيت الله الحرام في مكة، موطنه الذي أخرجته منه قريش ظلما وعدوانا، عمد عليه السلام إلى إبراد رسالة عملية مفتوحة يستدرج بها قومه إلى حالة شعورية يؤمن بها رَوْع الناس الذين «أكلتهم الحرب»(1) من حوله، يقول ابن هشام نقلا عن ابن إسحاق: «وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم بمن معه من المهاجرين والأنصار ومن لحق بهم من العرب، وساق معه الهدي وأحرم بالعمرة ليأمن الناس من حربه وليعلم أنه إنما خرج زائرا لهذا البيت ومعظما له»(2)، سلك النبي الكريم هذاالمسلك الحميد من تهدئة النفوس وطمأنتها بسَوق الهدي والتزيي بزي الإحرام لأنه عليه السلام يدرك جيدا غرور قومه وحميتهم الجاهلية التي تحركها عزة الإثم وينفث فيها شيطان الكبرياء، إن قدسية المنسك العظيم ومقاصده النبيلة وغاياته الدينية الشريفة لم تدفعه إلى ألاّ يحاولالتخفيف من غلواء خصومه، ولم تنسه الالتفات إلى الجوانب النفسية من طبائع الناس.

لقد كشفت الأحداث في هذا الصلح المبارك عن ملامح العظمة في توجهات الحوار الذي قاد إليه، وأبانت الأيام مكامن النصر المبين في ثنايا مواده، وهو انتصار للحق، تم في واقع الأمر بالانتصار للذين حادّوا النبي الكريم، فلو أمعنا النظر مليا لأدركنا كيف تلين القلوب وتتهذب الأساليب في شرائع النبيين حتى إن مظاهرها لتبدو ـ لمن لم تسعفهم حميتهم الدينية الصادقة في أن يسبروا أغوار الأمور ويبعدوا فيها النظر ـ وكأنها نوع من إعطاء الدنية في الدين، يقول ابن هشام: «فلما التأم الأمر ولم يبق إلا

(1) ـ ابن هشام، المصدر السابق، مج. 2: 142.

(2) ـ ابن هشام، المصدر السابق، الصفحة نفسها.

٤٨ / ٣٤١