مجلة الحياة، العدد 19 مجلة الحياة

مجلة الحياة العدد 19 - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٧٤

الكتاب وثب عمر ابن الخطاب فأتى أبا بكر فقال: يا أبا بكر، أليس برسول الله؟ قال: بلى، قال: أولسنا بالمسلمين؟ قال: بلى، قال: أليسوا بالمشركين؟ قال: بلى، قال: فعلام نعطي الدنية في ديننا؟ قال أبو بكر: يا عمر الزم غرزه (ركابه) فإني أشهد أنه رسول الله، ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ألست برسول الله؟ قال: بلى، قال: أولسنا بالمسلمين؟ قال: بلى، قال: أوليسوا بالمشركين؟ قال: بلى، قال: فعلام نعطي الدنية في ديننا؟ قال: أنا عبد الله ورسوله لن أخالف أمره ولن يضيعني»(1).

موقف يكاد أن يزايل فيه الوقار نفوس رجالات في عظمة عمر بن الخطاب رضي الله عنه وثباته، وفي صدق إخوانه المؤمنين وعزمهم، ولكنها الرحمة المهداة، وأي رحمة أبلغ من هذه التي تترفق في مخاطبة خصومها، وتتسع لألد أعدائها في أشدّ المواقف وأوعر المنازل والمسالك، يقول ابن هشام واصفا كتابة عقد الصلح: «ثم دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علي ابن أبي طالب رضوان الله عليه، فقال: اكتب بسم الله الرحمن الرحيم، قال: فقال سهيل: لا أعرف هذا، ولكن اكتب باسمك اللهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اكتب باسمك اللهم، فكتبها، ثم قال: اكتب هذا ما صالح عليه محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم سهيل بن عمرو، قال: فقال سهيل: لو شهدت أنك رسول الله لم أقاتلك، ولكن اكتب اسمك واسم أبيك، قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اكتب هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله سهيل بن عمرو»(2).

يبلغ النبي صلى الله عليه وسلم في تأسيس هذا المنهج الاستدراجي الحكيم وتوطينه في أدب الدعوة وخطاب التبليغ والتواصل مع الذين يختلف معهم في العقائد والأصول مبلغا تتجلّى فيه الملاطفة في أسمى تجلياتها ومراتبها، وترتسم معه خطاه المنصفات كأوضح ما يكون الارتسام لمن يود أن يترسّمها في مثل تلك المواقف التي لا تنتصر فيها سوى النفوس الواثقة الكظيمة في غير ما ذلة أو هوان، لو تأملنا بشيء من التحليل موقف الرسول عليه السلام من رفض سهيل بن عمرو لكتابة اسمه الكريم (محمّد) مشفوعاً بصفة الرسالة لأدركنا آفاق هذا الموقف الحكيم، ولرأينا كيف أنه اختصر تلك الآفاق في بضع كلمات موجزة عندما ردّ على عمر رضي الله عنه، حيث قال: «أنا عبد الله ورسوله، لن أخالف أمره ولن يضيعني»، إنه صدق النبيين فيما يقولون، وثقتهم بوعود الله التي ترتسم أمامهم وهم ينظرون إليها من وراء الحجب وشفيف الأستار، فعندما قبل الرسول صلى الله عليه وسلم محو صفة الرسالة من على الوثيقة، كان يدرك تماما أن ذلك المحو ليس فيه ـ لا عقلاً ولا شرعا ولا عرفا سليما ـ ما يمكن وسمه بتسوية مشينة أو مساومة ذليلة على حساب الثوابت والقيم، فضلاً عن أن يكون فيه ما يلغي رسالته من قلوب المؤمنين بها، تماما كما أن إثباتها في تلك الوثيقة ليس فيه ما يثبتها في قلوب من ينكرون رسالته أويكفرون بها،

(1) ـ ابن هشام، المصدر السابق، ص 147.

(2) ـ ابن هشام، المصدر السابق، مج.2: 147، وبنود الوثيقة كلها استدراج تفاوضي صادق، لايؤتاه إلاّ من أوتي الحكمة وفصل الخطاب.

٤٩ / ٣٤١