مجلة الحياة، العدد 19 مجلة الحياة

مجلة الحياة العدد 19 - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٧٥

فلم يبق عندئذ إلاّ الحكمة البالغة التي جمعت هذه القلوب المؤمنة وغير المؤمنة على كلمة سواء، ووقفت بهم على صعيد واحد، يتجسد في الاعتراف المتبادل بشخص النبي الكريم ـ بغض النظر عما وصف به في الوثيقة ـ ندّا بشريا لقريش الحامية لمقدسات العرب جميعا.

وهل هناك عند التأمل وتدقيق النظر من استدراج أعظم من هذا الاستدراج الصادق الواضح الرحيم الذي يستأثر في واقع الأمر وقادم الأيام ـ بعيداً عن أية ألاعيب سياسية ـ بالغنم كله دون أن يغرم القوم كلهم شيئا يذكر، وما بدا في ظاهر الأمر من أن قريشا قد استأثرت بشيء من الغنم ما هو في حقيقته إلا نصر ورقيّ، قد يرضي زهو الجاهليين ويداعب كبرياءهم، لكن دون أن يمس ثوابت المسلمين وعزتهم الموفورة بإيمانهم وعقيدتهم، وقد نجحت الرحمة المحمدية في حقن دماء الجميع، وهوالمقصد الأسنى للنبي صلى الله عليه وسلم من الوثيقة أصلا، فمَن مِن عرب الجزيرة كلها كان يمكن أن يخطر له على قلب قبل بضع سنين أنَّ محمداً الذي آذته أطفال الطائف حتى أدمت قدميه الطاهرتين وتجهمت له الدنيا بأسرها وتنكرت له بطون قريش وعشائرها وطاردته بخيلها يقف في مدة يسيرة بعد خروجه من وطنه مكة يفاوض كبار قريش كلهم على دخولها ثانية مع صحبه المؤمنين معتمرين على طريقة الإسلام وهدي رسالته التي لا تضع معتقدات القوم بالفعل ـ لا بالقول وحده ـ على ميزان جديد وحسب، بل وتسفّه آلهتهم وهي مكدّسة داخل الكعبة المشرفة! أو ليس في هذا إيماءة أخرى يمكن قراءتها بكل الوضوح مفادها أن تحطيم الأوثان والأصنام في قلوب الناس أولى من تحطيمها وهدمها في معابدهم ودورهم بل حتى في مساجدهم أحيانا؟ إن العناية الإلهية التي تحوطه وترعاه

٥٠ / ٣٤١