مجلة الحياة العدد 19 - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٧٦هي التي أوقفته هذا الموقف الاستدراجي وهو على ثقة من السبيل التي يسلك والغاية التي يطلب، شعاره في كل ذلك: «لن أخالف أمره ولن يضيعني».
ما فعله الرسول عليه السلام في هذا الصلح المبارك هو في حقيقة الأمر مذهب من صميم مذاهب الاستلطاف وطريق من طرق الاستدراج، عالج به غرور النفس عند الخصم الخصيم، وكبح كثيرا من جموحها في لحظات يطغى عليها الغضب والاستعلاء والاستنفار والاستكبار، وعاد بتلك النفس الضالة ـ ما أمكن الظرف ـ إلى جوانبها الإنسانية بالصبر والمصابرة واليقين، فاجتاز بصحبه الأخيار إلى الهدف النبيل، متفاديا مسالك التهلكة عندما لاحت مواطنها بحكمة القرآن وأناة النبيين وواقعية الرجال المصلحين.
مقارنة دالّة
قد يكون من متممات هذا الحديث قبل أن نصل به إلى خواتيمه أن نقيم مقارنة عابرة بين مادتين من مواد الخطاب القرآني لتكشف لنا بوضوح كيف أن رسالة الإسلام الخالدة تنزع بطبيعتها إلى قوة المنطق و أسلوب الحكمة، وتنأى بنفسها عن منطق القوة وحكمها ما أمكنها ذلك، وهذا هو أصل الاستدراج وجوهره.
لقد ورد في غضون آيات القرآن الكريم مئة وسبعون (170) مادة من مواد الجذر «قتل»، توزعت على حوالي اثنتين وثلاثين (32) سورة، بما في ذلك ما أتى منها في سياقات دُعائية، وأخرى تاريخية وافتراضية لا علاقة لها بالقتال، كقوله تعالى: ﴿قُتِلَ الاِنسَانُ مَآ أَكْفَرَهُ﴾(1)، وقوله: ﴿اِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (18) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (19)﴾(2)، بل منها ما جاء في سياق يحارب ثقافة العنف، ويستنكر القتل وسيلة من وسائل الحوار، يقول تعالى: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً اَنْ يَّقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَآءَكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ﴾(3).
بينما تتردد مادة الجذر «قول» في ثنايا القرآن الكريم أكثر من خمس وتسعين وألفي مرة (2095)، في سياقات التبليغ والحوار والجدال، يحكمها كلها قول الله المحكم: