مجلة الحياة، العدد 19 مجلة الحياة

مجلة الحياة العدد 19 - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٧٧

﴿وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾(1) وقوله تعالى يخاطب موسى وأخاه هارون عليهما السلام المرسلين إلى طاغية الاستبداد المتجبّر: ﴿فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيِّنًا﴾(2).

هذا، وينبغي أن ندرك أن آيات التحريض على القتال تنحصر في سبع سور تشرّع للمسلمين سَنَن القتال وشروطهوتعاليمه، وهذه التعاليم بدورها تكاد تنحصر في حالتي الدفاع عن النفس ورفع الظلم والجور الواقع عليهم أو ما يرجّح في الظن أنه واقع عليهم لوقوفه في طريق الدعوة وسبيلها، بينما تتوزع مادة القول في القرآن الكريم من بدايته إلى نهايته على أكثر من سبعين (70) سورة كي يتربّى المسلم على تقبل الرأي واحترام القول ـ أهم وسائل التبليغ والدعوة ـ، فإذا عرفنا ذلك اتضح لنا بجلاء باهر كيف تتناقض صورة الإسلام التي يرسمها الإعلام بشتى مشاربه وثقافاته المتلونة ووسائله ووسائطه المعقدة مع الصورة الحقيقية السمحة التي يرسمها له القرآن تصريحا وتلويحا، وهكذا تتربع الصورة الأولى (القتل) الاستثنائية مجمّدة على شاشات العالم، ترسم في هدوء محكم ما يراد لنا أن نكونه في أذهان العالم، وتتوارى الصورة الثانية خجولة تدسّ رأسها في زوايا الأكاديميا وقد لا تسلم ..

ليس من باب المصادفة المحضة أن يعمد بعض المستشرقين إلى تقديم لغة الإسلام وأدبه في غفلة من بعض أبنائه عبر مسارب تصدم كل من يتطلع إلى معرفة العرب وتراثهم السمح، فلم يجد ( Gibb)، على سبيل المثال من مادة يصور بها طواعية لغة القرآن الكريم وقدرتها على الاستيعاب والتنوع الاشتقاقي غير الجذر «قتل»(3)، ولو أنصف لما تجاوز جذر «كتب» الذي يرسم بتقليباته المختلفة من الكتابة والمكتبة والمكاتبة الفقهية و الكتاتيب والكتّاب صورة صادقة للغة العربية وروحها وحضارتها، ولكن جذور الكتابة والقراءة هي مادة وزاد من يريد استدراج الناس إلى الخير العميم بالحسنى والفضل، وليست بمادة وزاد من تخذله النوايا، وتقعد به المقاصد عن إنصاف أهل اللغة، أو قل إن شئت أهله لو كان له بعيد نظر، وهكذا هو حال المسافات في طريق عرض

(1) ـ القرآن الكريم، البقرة: 83.

(2) ـ القرآن الكريم، طه: 44.

(3) ـ H. A. R. Gibb: ArabicLiterature، Oxford U. P. 1962، p. 8.

٥٢ / ٣٤١