مجلة الحياة العدد 19 - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٧٨ثقافتنا على الآخرين، فالخط المستقيم هو أقصرها فيما بين أية نقتطين، فإذا ما تم تفويض غير المؤهلين والمخلصين للقيام بمهمة التعريف كان الغبن الذي يصيب تاريخ الثقافة العربية والإسلامية جد كبير، لأن مسيرة الأساليب الحوارية والدعوية تتنكب بهم صراط الحكمة، فكان ما رأينا بين القتل والقول، مسافة حرف واحد، إلاّ أنها مسافة دلالية تفصل بين ألطف أساليب الاستدراج وبين أساليب الإحراج، أي بين ثقافة الحياة وثقافة الموت.
خواتيم الحديث
يتبيَّن مماذكر من شواهد اجتهدت أن تكون غاية في الدلالة والإيحاء، أن الاستدراج أسلوب بلاغي مكين في أدب الخطاب القرآني والهدي النبوي، غايته إسلاس مقاد الخصم وتذليل عواطفه بغية أن يلتفت إلى المخاطِب (بكسر الطاء)، فيتعرف على جوهر خطابه بعد أن تتضح ملامحه بعيدا عن كل عوائق التواصل والاتصال بين المختلفين في العقيدة والرأي، ولا يتأتى هذا الأسلوب الرفيع إلا لمن عرف مقاصد الكلام، وخبر أغوار النفوس المستقصدة بالخطاب، فيعبُر إليها من أبوابها، وقد رأينا أنه أسلوب لا ينال من محتوى الخطاب وفحوى أصوله، وإنما يتناول أسلوب التواصل وأدواته التي تستقصد تقريب المخاطَب (بفتح الطاء) من ذلك المحتوى وتلك الأصول.
فالاستدراج قدرات حوارية تلاطف الخصم وتؤانسه، يوظفها الداعية لإزاحة الحجب الحائلة بين الخصم ورؤيته للأدلة والبراهين، عله يتخلص من عقدة الخصومة و «الغيرية»، ولحظة ما يتم ذلك يكون قد صار وجها لوجه أمام الحقيقة، فيضع يده بنفسه على مكامن الضعف في فكره، ويكون ـ إن لم تنله ألطاف الهداية ـ قد ظللته الرحمة العامة، فيقبل العيش المسالم على أسس المحبة الإنسانية والأخوة البشرية، ولقد تبين مما مضى أن الاستدراج من حيث المقاصد والغايات نوعان:
1ـ كيدي مخادع، وهو ما عبر عنه ابن الأثير بمخادعات الأقوال، أي هو تزويق لفظي ظاهري لفكرة خاطئة بغية غرض منفعي، وهو تغرير بالقول ومراوغة تجعل المستدرَج (بفتح الطاء) يظن السيء حسنا والحسن سيئا، وهو أسلوب لا يتّسق مع قيم الإسلام ولا تقره تعاليمه، فلهذا لم أعن به ولم يستوقفني في هذا البحث إلاّ عبورا.