مجلة الحياة العدد 19 - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٧٥2 ـ نور الإسلام يسطع على وادي ميزاب:
لعلَّ أهمَّ حدثٍ سيكون له وقعُه في حياة الميزابييِّن، وأثره الفعال فيهم، هو اعتناقُهم للإسلام، لذا لنا أن نتساءل عن كيفية وصول الإسلام إلى وادي ميزاب، واعتناق أهله له باعتباره دينًا جديدًا سيتحوَّل مع مرور الزمن إلى عامل قويٍّ تتشكَّل على أساسه مظاهرُ الحياة لديهم.
مِمَّا هو معروفٌ في تاريخ الجزائر أنَّ عموم البربر الأمازيغ تصدَّوا بادئ الأمر للعرب الفاتحين، فقاوموا جيوشهم وخاضوا ضدَّهم حروبًا شديدة، واشتبكوا معهم في معارك عديدة، عبروا من خلالها عن معارضتهم لهذه الحملات التي رأوا فيها احتلالاً واستعمارًا جديدًا؛ أراد أن يحلَّ بدارهم ويهيمن على بلادهم، ويسلب حرياتهم، ويتحكَّم في مصائرهم، وينهب خيراتهم، ويستعبدهم ويسخِّرهم لخدمة مصالحه، كما فعلت حملات الاستعمار السالفة معهم(1).
كما أنَّ معتقداتهم ومعبوداتهم التي ورثوها من آبائهم وأجدادهم قبل الإسلام ـ والتي كانت مزيجا بين الديانة اليهودية والنصرانية وعبادة الحيوانات وقوى الطبيعة ـ قد شوَّشت عليهم فَهْمَ حقيقة هذا الدين في الوهلة الأولى، الذي يدعو إلى توحيد الخالق، وعبادة الإله الواحد، وتنزيهه عن كلِّ أنواع الشرك، ونبذ ما سواه من المعبودات.
من الواضح أنَّ هذه العقيدة الجديدة قد استعصى على الأمازيغ فهمها بادئ الأمر، واحتاج الأمرُ إلى فسحةٍ زمنيَّة حتى يُدركوا حقيقتها ويقتنعوا بها، ثم يذعنوا لها.
كما سيكون لعامل اختلاف اللغة، وجهلهم باللسان العربيِّ دوره وأثره في رفض البربر للإسلام في العهد الأول.
من تلك المقاومات الشديدة التي خاضها الأمازيغُ ضدَّ العرب الفاتحين ما كان منها تحت إمرة ملكتهم المعروفة بـ «الكاهنة»، التي يبدو أنَّها كانت امرأة
(1) ـ ابن خلدون: «كتاب العبر»، مج6، ص205.