مجلة الحياة، العدد 19 مجلة الحياة

مجلة الحياة العدد 19 - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٧٨

كان ممن قصد هذه المدرسة خمسةُ طلبة من بلاد شمال إفريقيا، أو ما أضحى يعرف بـ «المغرب الإسلامي»، وقد عُرفوا في تاريخ المذهب الإباضي بـ «حَمَلَة العلم إلى المغرب»، إذ مكثوا في مدرسة الإمام أبي عُبيدة خمس سنين كاملة، نهلوا فيها علوم الشريعة، والعقيدة، واللغة، وفنون الدعوة، ثم عادوا إلى أوطانهم سنة 140هـ، فتفرَّغوا للعمل، وخاضوا غمار الحياة بمختَلِف أبعادها؛ دعاةً، وفقهاءَ، وقُضاةً، وقادةً، وسياسييِّن(1).

خلال تلك الفترة الزمنيَّة كانت الأوضاعُ السياسية لبلاد المغرب بين مدٍّ وجزر، وكرٍّ وفر، ولم تستب فيها الأمور لأحد، بسبب الصراعات المتكرِّرة على السلطة، وبسبب العصبيَّة القبليَّة، وعدم تمكُّن الولاة الأمويين والعباسيين على المغرب من بسط سيطرتهم على القبائل البربريَّة، كما لم يتمكَّنوا من إعطاء النموذج الأمثل للحاكم العادل المسلم؛ فقد ظهر منهم من قهر الرعيَّةَ وظلم وتعدَّى؛ وهو ما دفع السكان المغاربة بربرًا وعربًا للقيام بثوراتٍ عديدة ضدَّ هؤلاء الولاة الطغاة؛ مندِّدين بالجور والتعسُّف والظلم، ومطالبين بالحرية والعدل والمساواة، والمشاركة في دواليب الحكم(2).

في خضمِّ هذه الأحداث، وصل هؤلاء الطلبةُ الخمسة إلى شمال إفريقيا، وسرعان ما احتلُّوا مواقع متقدِّمة في أوطانهم وفي قبائلهم بين أهاليهم، وسرعان ما تقلَّدوا مناصب قيادية فيهم. وقد أهَّلهم لذلك ما كان لديهم من علمٍ وعزيمةٍ على العمل والتضحية في سبيل خدمة أوطانهم، وحمل هموم أهاليهم وقبائلهم؛ فرأيناهم في مسرح التاريخ يشاركون في إحداث التغيير وقيادة الثورات وإنشاء الدول وبلوغ هرم السلطة وتولِّي مناصب القضاء والإمامة والفتوى.

(1) ـ قاسم الشيخ بالحاج: «الظروف السياسية لنشأة الفرقة الإباضية»، المطبعة العربية، غرداية، الجزائر، 1998م، ص28 ـ 31.

(2) ـ محمد ناصر: «منهج الدعوة عند الإباضية»، ط2، المطبعة العربية، غرداية، نشر: جمعية التراث، القرارة، غرداية، الجزائر،1418هـ /1997م، ص149 ـ 158.

٦٣ / ٣٤١