مجلة الحياة، العدد 19 مجلة الحياة

مجلة الحياة العدد 19 - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٧٩

قامت دولة الإباضيَّة الأولى في طرابس الغرب (ليبيا) سنة 140 ـ 144 هـ، وكان إمامها أحد هؤلاء الطلبة الخمسة وهو «أبو الخطَّاب عبد الأعلى بن السَّمح المَعَافِري»(1).

ثم كانت سنة 160هـ حين قامت «الدولة الرُّستميَّة»، بقيادة أحد هؤلاء الطلبة كذلك وهو «عبد الرحمن بن رستم»، وكان المذهب الإباضيُّ هو معتمدها، ومن خلال جهود الدولة تمكَّن المذهب من الانتشار بين العديد من القبائل البربرية والعربية التي استوطنت المغربين الأوسط والأدنى، خاصَّة منها قبائل «جبل نفوسة» بغرب ليبيا، وقبائل جنوب تونس، وقبائل صحراء الجزائر(2).

اعتنقت هذه القبائل الإسلام وتمذهبت بالمذهب الإباضيِّ وأعلنت ولاءها لمشايخه في المغرب والمشرق، وتحدَّثت المصادر التاريخية عن العلاقات الوطيدة المتواصلة بين ضفَّتَي المشرق والمغرب، من خلال تبادل المراسلات والزيارات واللقاءات، ومن خلال الأبحاث العلميَّة والتآليف والكتب التي حوت دراسة النوازل والمستجدات في مجالات الشريعة المختلفة فقهًا وعقيدةً وحضارة.

كما انطبع أتباعُ المذهب الإباضيِّ في بلاد المغرب بصبغة خاصَّة ميَّزتهم عن إخوانهم في الشرق، اشتملت على خصائص المجتمع المغاربي في أبعاده الحضاريَّة وجذوره الأمازيغيَّة.

كما ينبغي التأكيدُ أنَّ تبلوُر المذهب الإباضيِّ في شمال إفريقيا ـ باعتباره مقوِّمًا حضاريًّا فيها، وباعتباره وجودًا إسلاميًّا عريقًا على أرضهاـ يعود إلى تاريخ دخول الإسلام إلى هذه الربوع، فإنَّه لم يبق منعزلاً على الأحداث الدائرة حوله، بل تأثَّر بها وأثر فيها وتفاعل معها، مما جعله يلتقي في الأصول والثوابت في كثير من الجوانب مع بقية المذاهب الإسلاميَّة التي عرفها المغرب، وعلى رأسها المذهب المالكي، ويختلف معها في بعض المسائل التي تُعدُّ من الفروع أو من المتشابه في هذا الدين.

(1) ـ علي يحيى معمر: «الإباضية في موكب التاريخ»، الحلقة الثالثة، الإباضية في ليبيا: ص162 ـ 165.

(2) ـ إبراهيم بحاز: «الدولة الرستمية»، المطبعة العربية، غرداية، الجزائر، 1994م.

٦٤ / ٣٤١