مجلة الحياة، العدد 19 مجلة الحياة

مجلة الحياة العدد 19 - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٨٠

أمَّا عن انتقال المذهب الإباضي إلى وادي ميزاب فقد كان ذلك بعد انتقاله إلى صحراء الجزائر، وبالذَّات إلى منطقة «سدراتة» و «وارجلان» و «وادي أريغ»؛ هذا الأمر الذي تمَّ في عهد الدولة الرستميَّة، حيث تثبت المصادر التاريخيَّة أنَّ نفوذها السياسيَّ شمل هذه المناطق من الصحراء(1).

مع نهاية القرن الرابع وبداية القرن الخامس الهجرييَّن، وصل المذهبُ الإباضيُّ إلى وادي ميزاب، من خلال الجهود الدعويَّة التي بذلها «الشيخ أبو عبد الله محمَّد بن بَكْرٍ الفُرسطائيُّ النفوسيُّ» وطلبتُه، حيث استطاع أن يؤثِّر في سكان وادي ميزاب وينقلهم من المذهب الاعتزالي إلى المذهب الإباضي.

ومنذ ذلك الزمن إلى اليوم وحاضرةُ وادي ميزاب حاضرةٌ إسلاميَّةٌ جزائريَّة على المذهب الإباضي في بعده الحضاري، حيث امتزجت فلسفةُ هذا المذهب في فهم الإسلام وقِيَمه مع الموروث الثقافيِّ الأمازيغيِّ، في إطار البيئة الصحراويَّة الجزائريَّة؛ صانعةً إنسان وادي ميزاب وملامح حضارتِه في جوانب الحياة المختلفة.

4 ـ محفِّزات الفعل الحضاريِّ في وادي ميزاب:

عاش الميزابيُّون قبل وصول الإسلام إليه كسائر الأمازيغ حياة تحكمها نُظم القبيلة والعشيرة والأعراف المتواترة بين الأجيال، والمستمدَّة من الخبرة البشريَّة المتراكمة، حيث ضبطوا مسار حياتهم على وقعها.

بعد أن منَّ الله تعالى عليهم بنعمة الإسلام، وبعد أن تمكَّن من قلوبهم وفهموا أسراره وأدركوا مقاصده، فإنَّه قد جرى فيهم مجرى الدم في العروق، حيث قلب وجه الحياة لديهم جذريًّا، وغيَّر من نمطها رأسًا على عقب، وبدأ يشكِّل لديهم ملامح حضارة ذات وجوهٍ جديدة.

بلا شكٍّ فإنَّ حصول هذا الانقلاب لم يكن بالأمر السهل ولا اليسير، كما أنَّه قد استغرق وقتًا زمنيًّا طويلا، وكان بصفة تدريجيَّة بطيئة؛ احتاج إلى قرن من

(1) ـ عمر لقمان سليمان بوعصبانة: «معالم الحضارة الإسلامية بوارجلان، من نهاية الدولة الرستمية إلى زوال سدراته»، ط1، 2008، دار غرناطة، الجزائر، ص95 - 98.

٦٥ / ٣٤١