مجلة الحياة، العدد 19 مجلة الحياة

مجلة الحياة العدد 19 - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٨١

الزمن أو يزيد من تاريخ اعتناقهم الإسلام، حتى يتحوَّل إلى محرِّك للفعل الحضاري لديهم.

أسلم وادي ميزاب أمره للإسلام في الأخير، فجعل منه مجتمعًا متميِّزا في حاضرة الصحراء الجزائرية ذاتالبعد الأمازيغي العريق.

لعلَّ أهمَّ ملامح هذا المجتمع تتجلَّى في الجدية في العمل، والتقشف في العيش، التي أملتها بيئةٌ صحراويَّةٌ قاسيةُ المناخ شحيحةُ الموارد، والصرامة في التربية، والانضباطُ في السلوك الاجتماعيِّ، والعمل بالأحوط في أمور الدين، والتوسعةُ في المصالح المرسَلة، والأخذُ بالبدع الحسنة، في إطار خدمة المقاصد الشرعية.

يعود الفضل في بناء هذا المجتمع إلى ثلاث مؤسَّسات أهليَّة حيويَّة هي «المسجد» و «العشيرة» و «الأسرة»، حيث كرَّست خطابًا دعويًّا قويًّا متناغمًا، يقدِّم الدين باعتباره محرِّكا محوريًّا للحياة، يتشكَّل من ثلاثة أبعاد منصهرة في بعضها البعض لا ينفكُّ أحدها عن الآخر؛ متمثِّلة في صدق الاعتقاد والقول والعمل، مع تفعيل مبدإ الخوف والرجاء، للكفِّ عن الحرمات، والانتهاء من الشرور والمفاسد، والاندفاع نحو الخير والعمل الصالح، والمنافسة في أبوابه المختلفة.

كانت ثمارُ هذه الفلسفة مُجتمعًا متكافلاً متعاونًا تَسُودُه القيمُ والأخلاقُ والاستقامةُ عمومًا، وتنحسر فيه المفاسدُ والشرور والآثام.

ولنا أن نُجمل مُحفِّزات الفعل الحضاري في مجتمع وادي ميزاب في النقاط الآتية:

أوَّلا ـ المحفِّز العقيدي:

تلقَّى هذا المجتمع تعاليم دين الإسلام كسائر المسلمين، إلاَّ أنَّه حرص على الالتزام بها في كامل جوانب حياته، فهو ينطلق من إيمانه بالله تعالى ليرسم مساره الاجتماعيَّ، وذلك بتجسيد نصوص القرآن والسنَّة الكثيرة الداعية إلى ربط الإيمان بالعمل، والقول بالفعل، من ذلك قول النبي المصطفى - صلى الله عليه وسلم -: «قُلْ آمَنْتُ بِاللهِ ثُمَّ اسْتَقِمْ»، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «لَيْسَ الإيمانُ بِالتَّمَنِّي وَلاَ بِالتَّحَلِّي، وَلَكِنْمَا وَقَرَ فِي القَلْبِ وَصَدَّقَهُ العَمَلْ».

٦٦ / ٣٤١