مجلة الحياة، العدد 19 مجلة الحياة

مجلة الحياة العدد 19 - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ١١٧

الفن الموجود هنا، وما من شكل أو قاعدة هندسية تخضع لها قوانين المعمار في مزاب إلا ولها ما يسندها في هذا الفن، فلا دخل للصدفة في كل ما نرى وسنذكر الملاحظات التي أثارت إعجاب المعماريين المعاصرين.

توزيع القرى:

1 - لماذا وزع المزابيون قُراهم على مسافة عشرين كيلومتر عوض أن يبنوا مدينة واحدة كبيرة يضعون فيها كل إمكانيتهم ويجمعون فيها جهودهم؟!.

والجواب الذي اختاروا لهذا التوزيع هو أنهم: وزعوه حسب الأرض التي تكفي لزراعتهم فالمساحات التي أخذتها القرى متقاربة فلو أنهم تجمعوا في مكان واحد لبعُدت المسافات بين قريتهم ومزارعها، وفي هذا ما فيه من إضاعة الوقت اليومي للعامل، في الانتقال من القرية إلى الواحة إذا كانت المسافة بعيدة، ولعل هذا ما يرمي إليه اليوم المعماريون من عدم توسيع المدن فإن حياة الإنسان تكاد تكون سجنا في كبريات المدن، وبالعكس فإن الحياة أهنأ في القرى والمدن الصغيرة(1).

2 - لماذا يبنون على الجبال ولا يبنون في الأرض السهلة؟! والجواب هنا بسيط، أولا: لضرورة الدفاع، فقد كانوا في حالة دفاع دائم عن غارات الأعداء المتوقعين، ثانيًا: المحافظة على الأرض التي يمكن زراعتها، فلا يمكن أن نأخذ من المساحة القليلة المستغلة زراعيا ولو مقدار ما نبني بها دارا(2)، لذلك نجد فن العمارة في الواحة بسيطًا جدًا، إذ يكتفى فيه بما تحتاجه العائلة للإقامة الموسمية المؤقتة وذلك فصل الصيف.

وقد أثبتت الأيام بأن السكان الأوائل كانوا بالفعل على دراية بما ينفع مستقبل أيامهم، فقد تكبدوا عناء البناء في الجبال وما يستلزم ذلك من تكسير الحجارة وحفر الدهاليز وشق الطرق .. ولم يميلوا إلى البناء في الأراضي المنبسطة والسهلة، خوفًا من خطر السيول الموسمية الجارفة، فالسيل العارم الذي ضرب مزاب في 01 أكتوبر 2008 والذي يُصطلح عليه محلياً بـ «الَمَسَّاحْ» كشف عن الحدود الفعلية للسيول الموسمية التي يمكن أن

(1) - الشيخ القرادي، رسالة في بعض أعراف وعادات وادي مزاب، تح يحي حاج امحمد، نشر جمعية النهضة، العطف، غرداية، ط1، 2009، ص 30.

(2) - نفسه، ص31.

٩٠ / ٣٤١