مجلة الحياة العدد 19 - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١٢٢هذه الآبار ويحدد صلاحيتها طبقا لما يقتضيه أمن المواطنين فيقرر مثلا: ثلاث آبار موزعة على حسب التقسيم الجغرافي للقرية لسقي عمال البناء لما يكون فيه من احتكار البئر في عشر ساعات من اليوم، ويُلزم البنَّاء أو صاحب الدار التي تُبنى بإتيان حبل من عنده ولا يستعمل حبل الوقف لسقاية البِناء، ففي العطف على سبيل المثال كانت أربعة آبار مُعدَّة للبنّائين هي «حَاسِي الشّيخ» في وسط البلدة، و «حَاسِي تَاسَه» في جانب السوق، و «حَاسِي نُونَه» بجانب الرحبة القديمة، و «حَاسِي بِيَّاع الزَّيت» في أبي سالم، وقبله كان سكان أبي سالم يستقون من «حاسي المسجد»، وكان «حَاسِي بَاشْ عَدَلْ» (الحاج محمد بن مسعود) مُختصّاً بالخبَّاز، وهو أعذب ماءً من بقية آبار البلدة.
وهذا التنظيم موضوع أولاً: لمنع الاختلاط مع النساء والأطفال، ثم: لئلاَّ يطول انتظار الناس إذ لو كانت كل الآبار محجوزة لعمال البناء لتعطلت مصالح الناس واحتاجوا إلى الماء في منازلهم؛ وقد تُغرس بجانب البئر نخلة تمتص ما قد يتدفق من ماء السُّقاة ويُنتفع بجمالها، وتمرها لِحبل تلك البئر، وذلك كله تحت إشراف المسجد، ولا يزال بعضها شاهدا على ذلك إلى تاريخ اليوم كما هو الحال في مْلِيكَة العُليا(1).
7 - إنشاء الواحات المحيطة بالقرى:
لقد نشأت قرى وادي مزاب مقسمة بالكيفية الحكيمة التي شاهدنا فيها تقسيم المناطق الزراعية الكافية لكل قرية، ولذلك نشأت حول كل قرية واحة يزرع فيها المواطنون ما يحتاجون إليه من خضر الشتاء والصيف وإن كان اعتمادهم على النخيل أكثر، لأنها تزدهر في جو الصحراء وتصبر على انقطاع الماء وقد تكون بُورًا لا تعيش إلا على مياه الأودية وفيها منافع كثيرة منها أن تمرها يصبر سنوات قد تزيد على العشرة ويحتفط التمر فيها بحلاوته وإن تغير لونه، ثم إن نواه علف للدواجن والجمال، وأما الخشب والجريد فهم ينتفعون به في البناء، وأما العراجين اليابسة فهي للكنس وللوقود، وكذا لَكْرَبْ «الكَرْنَافْ»، وأما اللِّيف فتصنع منه الحِبال أو الغَنَانِيتْ(2)، وأما السعف فتصنع منه القِفاف والمراوح وكثير من الأواني كالأطباق والكَسَاكِس والقنينة للماء أو للبن أو الحصير، وقد تصنع من السعف
(1) - نفسه، ص 39.
(2) - هي: أشبه بالشْوَارِي أو الزنابيل، يُنقل فيها الرمل على ظهور الحمير خاصة وكذا مختلف مواد البناء.