مجلة الحياة، العدد 19 مجلة الحياة

مجلة الحياة العدد 19 - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ١٢٤

8 - طرق توزيع مياه الأمطار الموسمية:

من الأدلة الحية على روح التنظيم التي كان يتمتع بها المزابيون منذ أول نزولهم هذا الوادي تلك السدود التي أقيمت على فروع الأودية أو الروافد التي تصب في وادي مزاب أو التي أقيمت على وادي مزاب بالذات.

هذه السدود والمواقع التي بنيت فيها، والمواد التي استعملت فيها، ومقدار الجهد الذي بذلوه في تشييدها، كل ذلك يدل دلالة صادقة على مقدار ما كانوا يتمتعون به من روح التنظيم والتضحية، ولقد كانت معلوماتهم الهندسية تقتضي أن يوائموا بين مجرى الماء من ناحية وبناء المساكن في الواحة لئلا تتضرر هذه المساكن بسيل الأودية، وهذا كان يستدعي منهم نظرة شاملة لمجموع المساكن ومراعاة مجارى السيول، حتى في حفر الآبار وتأسيس القرى، مما يدل على أن الأمر هذا لا دخل للصدفة فيه(1).

أما سد أَحْبَاسْ بالعطف فهو يستقبل مياه واديين في سد واحد، ولو أن من بنوه شيدوه في غير المكان الذي هو فيه الآن، ووضعوه في «أَمَعْدُورْ» مثلا لفاتهم ماء أَوْلَوَالْ ولو أنهم بنوه في مجرى أَوْلَوَالْ لفاتهم واد مزاب، ولكنهم جمعوهما فتحققت الفائدة المرجوة، فقد تسيل شعاب أولوال ولا يسيل وادي مزاب، والملاحظة الثانية هي الكيفية التي بُني بها، فنراه لا يعترض السيل بل جاء في أضيق مكان بين جبلين من جهة، وكان متجها محاذيا للوادي لا معارضا له، وإذا رأينا إلى عرض الجدار والدكاكين التي وراءه ـ وهي الآن مطموسة بالرمال ـ ورأينا «الَمْنَافَسْ» وهو قسم من السد ولكنه أقل ارتفاعا منه، فيتركون الماء يتنفس أي يسيل إلى ما وراء «أَحْبَاسْ»، فإذا جاءهم الخبر من غرداية ـ وهي الناحية التي يأتي منها السيل ـ ربطوا هذه المنافس بأكياس من الرمل مملوءة تُجعل كالمتاريس بعضها فوق بعض حتى يصلوا إلى مستوى ارتفاع السد، وهذا يزيد قسما مهمًّا من الماء المخزون.

(1) - نفسه، ص 45.

٩٧ / ٣٤١