مجلة الشباب الأعداد الأولى
الجزء ١ · صفحة ٢٦استشعر نفسك، واجعل الميزان والحساب، والمدَّ والجزر، والأخذ والردَّ، تَتَّضِح لك الحقيقة بعد ما كنت أعزل بغير سلاح؛ أصبحت يا أخي ـ ولله الحمد ـ متقلِّدا يمانيًّا صقيلا يلمع، وخنجرا مسموما، وبندقيَّة من بنادق العصر الجديد، ووراءك جيش يهزُّ رايته وتحته مدافع.
انصف اليوم، وقل لي بربِّك الحقَّ، فدم في سيرك الحميد أَيُّهَا الوادي، واحمل عَلَى الأعداء والأغبياء، واكتسح ديارهم وبلادهم، ولا تذر منهم عَلَى الأَرض ديَّارا، ولا تخش طنين الجامدين والمثبِّطين والكسلاء والبخلاء عن دفع الاشتراك، أطنين الذباب يضير؟ كَلاَّ، بل ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُومَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ (1) ومُر بالعرف.
يا أَيُّهَا الوادي، إِنَّنَا نهيِّئ لملاقاتك سيَّارات، ونصطفُّ عند قراءتك صفًّا دون الجرَائِد الأخرى، ولا تؤاخذنا عَلَى تقصيرنا في حقِّك، إِنَّ الصبيَّ لا يعرف حقَّ أبويه حَتَّى يبلغ الحلم؛ أَمَّا نحن إِنَّنَا في كِنٍّ كنيف، أو في عشٍّ بعيد، أو في قعر بيت لا زلنا نرضع ثدي المدرسة ولَمَّا نُفطم.
والساعة إِنَّنَا نتقلَّد بأفكار المصلحين والمرشدين، ونجلس حولهم، وعمَّا قريب إن شاء الله نكون عضدك، ونشاطرك في تعبك الحسِّيَّ والمعنويَّ، ونكافئك عَلَى عملك الجليل؛ فإنَّ هَذَا الوقت لا نعرف ما هو مقدار مكافأتك ولا بما نكافئك، غَيْر أَنَّنَا ندعو لك بالبقاء، ونحثُّ الناس عَلَى قراءة الجرِيدَة الميزابيَّة، والعمل بها، فَإِنَّهَا أكبر واعظ، وأكبر شاهد، ورسول أمين من المذهب الإِبَاضِي إِلىَ رجاله؛ كيف لا، وهي تذكِّر لنا تاريخ أَيمَّتنا الكرام، بني رستم العظام، وتاريخ الدولة العمانيَّة العزيزة الجانب.
(1) - … سورة الحجر: 94. في الأصل ورد «عن الجاهلين».
(1/ 30)
ما سمعنا بهذا من قبل سادتي. أذكر قِصَّة ملفَّقة ليست من الأدب شَيْء، وهي: اتَّفَقَ ذات يوم أنَّ أحد المشتركين يقرأ جريدة وادي ميزاب بقلب مملوء فرحا وسرورا، وإخلاصا وودادا، وبشوش الوجه، وبإزائه أحد الجامدين، فقال للقارئ: ضع عنك الجرَائِد، واصرف وقتك وذهنك إِلىَ ما ينفعك، فَإِنَّ فِيهِنَّ مضرَّة كبيرة؛ قال ما هي: قال تضييع الوقت الثمين، وتبذير مقدار من الثروة، وإشغال الفكر بالقيل والقال والكذب؛ إِنَّ الجرَائِد عند أرباب المعرفة يسمُّونها بوليتك ( Politique)، فالتفت القارئ إليه قائلا بحماسة مشوبة بغضب وعيناه تفيض شررا: يا هَذَا إِنْ كلَّمْتُكَ تُصْغِ لي؟ قال: نعم؛ قال: أشترط أن تعير لي أذنا صاغية، وقلبا واعيا، والإنصاف التامَّ.
فبدأ القارئ يقرأ الجرِيدَة، وبالأمر المقدَّر جاءت أَوَّل مقالة تلك المقالة المفلِّقة: واجب الأولياء نحو الأبناء، فرتَّل القارئ قراءته، وفسَّر له بَعض الألفاظ الصعبة إِلىَ تمامها، وردف عقبها بكلام في ذاك