مجلة الشباب الأعداد الأولى
الجزء ١ · صفحة ٢٨قال عمر بن عبد العزيز لابن مهران: «قل لي في وجهي ما أكره، فَإِنَّ الرجل لا ينصح أخاه حَتَّى يقول له في وجهه ما يكره»، فشتَّان بيننا وبينهم، وما أبعد ما بين الثريَّا والثرى؛ فَإِنَّ غالبنا إذا نظر عيبا في أخيه أو اعوجاجا، فلا ينصحه ولا يرشده أبدا، صلح الأمر أم فسد، عمرت الأَرض أم خربت؛ يقول: إذا متُّ فلا عاش أحد، وغير الغالب تجدهم أقساما، فبعضهم لا ينصح أخاه إذا رأى فيه عيبا أو اعوجاجا، إِلاَّ إذا كان له غرض في تلك النصيحة، فحينئذ ينصحه، وَإِلاَّ فليخلِّ سبيله.
وَبَعضهم لا يعرف كيفيَّة النصح، يأتي البيوت من ظهورها، إذا أراد أن ينصح أخاه يأتي به في ملإ من الناس فيفشي عيوبه أمامهم، وَفي زعمه أَنَّهُ ينصحه، والحال أَنَّهُ يفضحه، وصار عوض تأليفه إتلافه، وكان أبعد مِمَّا رجا، وأقرب مِمَّا اتَّقَى، ما أبعد هَذَا عن النصح والإرشاد!.
وَبَعضهم يأتي البيوت من أبوابها، ويجيء لأخيه من باب النصيحة، كما أمرت الشريعة السمحاء، ويهدي له عيوبه كما أمر؛ هَذَا من جهة الناصحين.
أَمَّا من جهة المنصوحين فهم عَلَى أقسام، بَعضهم لا يقبل النصح أصلا من أين أتى لهم، وَهَؤُلاَءِ هم المتكبِّرون نعوذ بالله منهم!.
وَبَعضهم يتعبَّس أمام ناصحه، وينكمش وجهه، ويظهر عليه أثر الغضب، وَرُبَّمَا يبقى بضعة أَيَّام ولا يكلِّمه.
وَبَعضهم يصعب عليه القبول حينا، وَإِنَّمَا يلتمس أَوَّلاً الحجج ويتشعَّب كثيرا، إِلاَّ إن لم يجد حجَّة يدفع ذَلِكَ عنه، فحينئذ ينخضع لِلْحَقِّ، فَهَذَا أهون حال من الأَوَّلين.
(1/ 33)
فانظروا يا سَادَتي هاته الخصال، تجدوا كُلَّنا متَّصفين بها؛ إِلاَّ أَنَّ بَعضنا أهون من بَعض؛ فيا إخواني نتَّق الله حقَّ تقاته، ونقبل مِمَّن جاء يهدي لنا عيوبنا، ونحفظ نصيحة الناصح، وموعظة الواعظ، وننزع عَنَّا رداء التكبُّر، لنكون مع بَعضنا بَعْضًا، ونعتصم بحبل الله جميعا ولا نتفرَّق، ونتعاون عَلَى البرِّ والتقوى، ولا نتعاون عَلَى الإثم والعدوان، وإن رأى أحد مِنَّا عيبا أو اعوجاجا في أخيه، فليأت له من باب النصيحة فينصحه ويرشده، وَعَلَى المرشد أن يقبل منه ولا يتكبَّر عن قبول النصيحة، بل يستكثر خيره، ولندع التنافر والشنآن والتحاسد، ولنكن عباد الله إخوانا، وَعَلَى الخير أعوانا، ويجمعنا الله في رحمته جميعا، إِنَّهُ هو الغفور الرحيم.
أبو صالح عاشور.
الأدب
أَيُّهَا الولد الذكيُّ، إذا تفكَّرت في الأدب مع الوالدين بالأتعاب والمشاقِّ التي تحمَّلتها أمُّك في زمن