مجلة الشباب: الأعداد الأولى (1927م) مجلة الشباب

مجلة الشباب الأعداد الأولى

الجزء ١ · صفحة ٦٠

فكيف تأمل أَيُّهَا التلميذ أن تخطو خطوة في طريق العلم بدون أن تتدرَّع بهما، وتجعلهما دليليك إِلىَ حضيرة السعادة، وأنت تعلم شرف العلم، وكلُّ شريف لا ينال حَتَّى يراق في جوانبه الدم، فكيف تطمع أن تحظى بهذا الشرف، وأنت لم تبذل في سبيله ولو قليلا من الثبات؟!.

إِنَّ العلم غاية شريفة بعيدة المنال، صعبة المرتقى، والطريق الموصلة إليها مفازة مترامية الأطراف، مشتبهة الأعلام متشعِّبة المسالك محفوفة بالمكاره والمهالك، إِذَا سار فيه السائل تعترضه حواجز وعراقيل، وتعوقه عقبات وجبال وحبائل، ولا مطمع في تذليلها وسلوكها إِلاَّ بالعزيمة والثبات.

تريدنَّ إدراك المعالي رخيصة

(1/ 64)

ولا بُدَّ دون الشهد من إبر النحل

إِذَا أردت أَيُّهَا المتعلِّم أن تنال من العلم حظًّا وافرا، فَسِر قدما إِلىَ غايتك بعزيمة راسخة، وثبات يهدُّ الراسيات، لا ينويك عنها َلأْيٌ، ولا يصدُّك عنها صادٌّ، حَتَّى تبلغ أمنيتك، وتظفر بضالَّتك.

ما أبعد الغايات إِلاَّ أَنَّنِي

أجد الثبات لكم بهذا كفيلا

فكِلوا إِلىَ الله النجاح وثابروا

فالله خيرٌ كافلا ووكيلا

فكن ثابت الجنان قويَّ الإرادة والأركان، وإِيَّاكَ والْمَلَل، فكم أهلك من مِلَل، وأباد من نحل، وأفنى من دول، وجرَّ من علل، ولم يعقب إِلاَّ الخسران والفشل.

كم من تلميذ شمَّر في مهنته عن ساق الجدِّ، وساعده ساعد الحظِّ والجدِّ، ورفَّه عيشه بمال الأب والجدِّ، وَلَمَّا لم يكن ثابت القلب، ولم يكن مِمَّن يصبر عَلَى الطعن والضرب، ولا مِمَّن يميِّز مواقف اللهو من مواقف الحرب، دبَّ إليه دبيب الملل، واحتلَّته جيوش الكسل، فقيَّدت جوارحه عن العمل، واستبعد الغاية التي إليها يدنو، والسعادة التي يتوخَّاها من قبل وإليها يرنو، وخَبَتْ نار عزمه التي كانت تتأجَّج، وخبثت راحة أعماله الطيِّبة التي كانت تفوح وتتأرَّج.

وما لِذَلِكَ من سبب إِلاَّ ضعف عقيدة العزيمة والثبات من قلبه، وما ضعفها إِلاَّ من جهله بالغاية التي يسعى إليها ويتطلَّبها، فلو عرفها حقَّ المعرفة لبذل فيها كُلَّ مرتخص وغال، واستقلَّ ما يصيبه من المشاقِّ والأهوال.

لا تحسبنَّ ما تتكبَّد من المشاقِّ، وتعاني من الآلام في هَذَا السبيل، هو مشقَّة وعناء، بل راحة وهناء؛ ألا

٦٠ / ٦٥