مجلة الشباب: الأعداد الأولى (1927م) مجلة الشباب

مجلة الشباب الأعداد الأولى

الجزء ١ · صفحة ٦١

ترى أنَّكَ إِذَا اشتغلت بعمل مفيد وعانيت لأجله آلاما وأتعابا، استفزَّتك هزَّة الطرب، وأصابتك نخوة العجب، ووجدت في نفسك سرورا ونشاطا، بقدر ما تجد فيها من الكدِّ والتحسُّر والانقباض؟!.

(1/ 65)

إذا كنت فارغا بطَّالا فلا راحة إِلاَّ راحة النفس، وإن كان الجسم في مشقَّة وعذاب، ولا تعب إِلاَّ تعبها، وإن كان الجسم في راحة ونعيم، ذَلِكَ أَنَّ النفس إذا تصوَّرت الثمرة التي جنيتها من وراء ما تتجرَّع من المضض، استعذبت الآلام، واستحال لديها البعيد قريبا، والمحال ميسورا، فتعمل بنشاط، وتسير في أعمالها بعزيمة وثبات، فبالعزيمة تدرَّعوا، وغصص المكاره والثبات عليها تجرَّعوا، تسعدوا في الدارين، وتفوزوا بالحسنيين.

أخلق بذي الصبر أن يحظى بحاجته

ومُدْمِنُ القرع للأبواب أن يَلِجَا

مرشد.

في الأدب

تاريخ أدب اللغة العَرَبِيَّة في عصرها الجاهلي: قد قسَّموا اللغة في هذا العصرِ إِلىَ ثلاثة تهذيبات:

الأَوَّل: تهذيب العرب العاربة، كان لهم عظيم الفضل على اللغة العَرَبِيَّة في نشأتها، فقد كانوا يأخذون بَعض ألفاظ من لغات الغير، ويعرضونها عَلَى أصل لغتهم، حَتَّى يُصيِّروها من أهمِّ ألفاظهم.

الثاني: تهذيب العرب المستعربة، وذلك لَمَّا نزل إسماعيل - عليه السلام - أرض الحجاز، وَتَزَوَّجَ من أحد ملوكهم في ذلك الزمان، ونشأت منه ومن ذرِّيته العرب المستعربة؛ وقد دخل في اللغة العَرَبِيَّة كثير من التحسين، إِلى أن وصلت اللغة في ذلك العهد إِلىَ أفق العلا، وَلَكِنَّ الزمان لم يتركهم صاعدين، بل ظهر لهم من شرِّ مكائده، حَتَّى قلب لهم ظهر المجنِّ، وصارت بَعض القبائل تأْكل بَعضها ظلما وعدوانا، وثارت حروب عديدة، وتلاشت اللغة من بين أيديهم واختلطوا.

(1/ 66)

الثالث: تهذيب قريش، وذلك أَنَّهُم جعلوا أسواقا لتهذيب اللغة، وجعلوها لا تُقام إِلاَّ في أَيَّام موسم الحجِّ، وهي سوق ذي المجاز، وسوق مجنَّة، وسوق عُكاظ، كانت تأتيهم العرب في أَيَّام موسم الحجِّ، فتقيم ثلاثة أَيَّام، بسوق ذي المجاز، وسبعة أَيَّام بسوق مجنة، وثلاثين يوما بسوق عكاظ؛ وكانت العرب تتناشد الأشعار أمام الحكَّام، حَتَّى ترقَّت لغتهم، وكانت هَذِه اللغة من أهمِّ اللغات، وبها نزل القرآن، وقد كانت الأسوق غير عكاظ، وَإِنَّمَا جعلت لرؤساءِ قبائلها، وَأَمَّا عكاظ فهو مؤتمر عامٌّ، يَحضر فيه

٦١ / ٦٥