الدرر البهية في الخطب الجمعية لبدر العبري ج2
الجزء ١ · صفحة ٤٣فإذا ما غربت شمس هذا اليوم ارتجت القلوب رجاً، واهتزت الأجسام هزّا، أهي فائزة مقبولة؟ أم أنّها من أهل الشمال والخذلان، فإذا ما غربت شمس يوم عرفة أفضتم إلى مزدلفة بالسكينة والوقار، وكأنّكم تفيضون من أرض المحشر إلى جنّات عالية، وسرر مرفوعة، فإذا كان يوم العاشر؛ رأيت النّاس في ذلك المكان فرحين مسرورين، وجوههم مشرقة سعيدة، بفضل الله ومنته، فها هم اليوم يبدأون يوماً جديداً، وصفحة بيضاء جديدة، بعد غفران الذّنب، وقبول التوبة، إنّها أيام أكل وشرب وذكر لله عزّ وجل، يتصورون أيام الجنان، فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فيشكرون الله على هذه النّعمة، فترمون الجمار معلنين الولاء والخضوع له عزّ وجل، وتفيضون بالبيت العتيق اعترافاً بفضل الله ومنته.
وتعودون بعدها إلى بلادكم، وقد تحققت مقاصد الحج وأهدافه النبيلة؛ لتفتحوا صفحة جديدة مع أنفسكم وأوطانكم، صفحة الودّ والمحبة، صفحة المراقبة لله عزّ وجل، صفحة التمسك بهذا الدين، صفحة التعاون والتكافل، صفحة نصر الإسلام والمسلمين.
حجاج بيت الله الحرام:
ها قد جئتم إلى هذا المكان المبارك، وقد فارقتم أوطانكم، وتركتم أهليكم وأولادكم، وهاجرتم شهواتكم، حبا في مغفرة الله، وطلبا لرضوانه سبحانه …
فاجعلوا حياتكم يرعاكم الله حياة هجرة في المقاصد والتوجهات، اهجروا الرياء والأنا، والكبر والغرور والحسد، كونوا أمّة إخلاص لله الأوحد، أمّة تواضع ومحبة للبشر، أمّة اجتهاد وعمل.
اهجروا المعاصي وارتكاب الخطايا، إلى الطاعة المطلقة لله ورسوله صلى الله عليه وسلم، متبعين الأوامر الربانية، مجتنبين النواهي المتعددة، آمرين بالمعروف، ناهين عن المنكر.
اهجروا الجهل والتخلف الفكري والتربوي؛ وهاجروا إلى العلم والثقافة، ومعرفة طرق التربية الصحيحة، كونوا أمّة قراءة واطلاع، أمّة تربي أولادها التربية الصحيحة، أمّة تهتم بالأولويات في سائر نواحي الحياة العملية.