الإمامة في الفقه الإسلامي (دراسة مقارنة) لعلي العبري
الجزء ١ · صفحة ١١٠ثالثاً: إن القول بأن شرط العدالة مطاط مما يتعسر توفرها في فرد بالصورة التي رسمها الفقهاء، فليس ذلك عيباً ولا ضعفاً، وإنما يدل على قدرة هذا الشرط على العمل به في كل زمان ومكان، فهناك حد أدنى من العدالة وهو اجتناب الكبائر وعدم الإصرار على الصغائر، ثم يرتفع المسلم في سلم العدالة بمقدار ابتعاده عما يخدش المروءة ويبعث على الإزدراء.
سابعا: العلم:
لابد أن يكون الإمام عالماً([60]) بأحكام الشريعة ملماً باجتهادات الفقهاء حتى يعلم ما يفعل، وما يأتي وما يذر، إذ تقع على كاهله مسؤولية تطبيق الأحكام، وتنفيذ الحدود، وهو المرجع النهائي في حالة اختلاف الفقهاء.
وقد اختلف الفقهاء في اشتراط بلوغه مرتبة الاجتهاد إلى مذهبين:
الأول: يجب أن يكون الإمام من أهل الاجتهاد في الدين، وهو مذهب جمهور السنة([61])، وزعم الجويني والقرطبي الاتفاق عليه([62]).
واحتج أصحاب هذا المذهب بما يلي:
1- إن الأئمة تتعلق بهم معظم الأحكام والفرائض »فأما ما يختص بالولاة وذوي الأمر فلاشك في ارتباطه بالإمام، وأما ما عداه من أحكام الشرع فقد يتعلق به من جهة انتدابه للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فلو لم يكن الإمام مستقلاً بعلم الشريعة لاحتاج إلى مراجعة العلماء في تفاصيل الوقائع، وذلك يشتت رأيه ويخرجه عن رتبة الاستقلال«([63]).
2- إن الاجتهاد شرط من ولاية القضاء فلأن يعتبر في حق الإمامة أولى، فضلاً عن إجماع الأمة على أن للإمام أن يباشر القضاء والحكم بين الناس بنفسه، فكان لابد من الاجتهاد([64]).
الثاني: الاجتهاد شرط كمال لا شرط صحة، وإليه ذهب الإباضية([65]) وقول عند الحنفية([66]) والغزالي([67]) وابن حزم([68]) والإمام الشاطبي([69]).
واحتجوا بما يلي:
1- تعذر توفر شرط الاجتهاد في كل عصر، لأن ذلك أمر محتمل عقلاً، وإذا كان الأمر كذلك فإما أن يكون اشتراطه عبثاً أو تكليفاً بما لا يطاق، وكلا الأمرين غير مقبول([70]).