الإمامة في الفقه الإسلامي (دراسة مقارنة) لعلي العبري
الجزء ١ · صفحة ١٢٠4- إن أبا بكررضي الله عنه لم يستدل بشيء من هذه الأحاديث يوم السقيفة، ولم يحتج على الأنصار بنص نبوي وإنما استدل بالمصلحة العامة، والواقع الذي كانت تعيشه العلاقات بين القبائل العربية حيث قال: »…ولن يعرف هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش«([123])، وقال: »هم أوسط العرب داراً وأعربهم أحساباً([124])«، فلو كانت النصوص تفيد القطع لما لجأ أبو بكر إلى الاستدلال بالمصلحة، وترك النص الذي لو كان قاطعاً في المسألة لما تردد في إقناع الأنصار به، وعليه يكون شرط القرشية ليس ثابتاً في دلالته على وجه القطع لدخول الاحتمال في الدليل، وإذا دخل الاحتمال بطل الاستدلال([125]).
5- ويرى فريق من مجوزي إمامة غير القرشي أن أدلة اشتراط القرشية أحاديث آحاد لا تقوى على مواجهة النصوص العامة، والمبادئ التي يقوم عليها نظام الحكم في الإسلام([126]).
هذه أدلة الفريقين، واعترض كل منهما على حجة الآخر، فريق يرى الإمامة حقاً لقريش لورود النص لا لشيء آخر، وفريق يرى الإمامة حقاً لكل مسلم توفرت فيه كل الشروط الكفاءة، وليس للنسب تأثير أو أثر على وظائف الإمام، وإنما التقوى والكفاءة هم ميزان التفاضل.
الرأي المختار:
إذا نظرنا إلى أدلة الفريقين بعين الحياد والنقد نرى أن أدلة اشتراط القرشية غير صحيحة في الاستدلال بها في محل النزاع لما يلي:
أولاً: إن عمدة أدلة المثبتين حديث »الأئمة من قريش« وهو ما يستدل به علماء السنة كثيراً، ويزعمون احتجاج أبي بكر به يوم السقيفة، إلا أن هذا الدليل مناقض بما يلي:
أ- إن هذا الحديث لا وجود له يوم السقيفة، فأبو بكر احتج بمكانة قريش بين العرب، واتفاق القبائل العربية على أن يكون الأمر فيها، وتوقع اختلافهم على غيرها، فقد خاطب الأنصار بقوله: »ما ذكرتم فيكم من خير فأنتم له أهل، ولن يعرف هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش، هم أوسط العرب نسباً وداراً«.