الإمامة في الفقه الإسلامي (دراسة مقارنة) لعلي العبري
الجزء ١ · صفحة ١٥٤وعندما عرض الاقتراح على عمر، نظر إلى من سبقه، لقد ترك الرسول صلى الله عليه وسلم الأمة دون أن يستخلف عليهم أحداً، في الوقت الذي استخلف فيه أبو بكر عمر، فإن هو استخلف –حفاظاً على وحدة المسلمين واتفاقهم على الإمام قبل وفاته– فقد اتبع هدي أبي بكر وإن هو ترك الأمة تتولى أمرها بعد وفاته من غير أن يتحمل هو تبعة الاستخلاف، إذا فعل ذلك فقد اهتدى بهدي النبوة.
وعمر الذي يقول: »من بايع رجلاً من غير مشورة من المسلمين فلا يبايع هو ولا الذي بايعه تغرة أن يقتلا«([18]) لم يكن بالذي يخالف فعله قوله؛ فيعين رجلاً يخلفه، وكيف يفعل ذلك ورسول الله صلى الله عليه وسلم لم يفعله، وهو في الوقت ذاته يتذكر ذلك الخلاف الذي كاد أن يعصف بالمسلمين يوم السقيفة، فلا تدعه نفسه أن يترك الأمر كي يظهر الخلاف من جديد.
إزاء هذا الموقف، سعى إلى دمج فكرتي الاستخلاف والترك، فاستحدث طريقاً »تجمع الاستخلاف وترك تعيين الخليفة«([19])، ليفسح للأمة فرصة أوسع للاختيار، في الوقت الذي يضيق فيه مجال التنازع والاختلاف، فكان أن عهد إلى ستة من الصحابة، وقد بين السبب الذي جعله يحصر الأمة فيهم، فهم:
1- توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو راض عنهم.
2- أنهم الأقطاب الذين تلتف حولهم الجماعة المسلمة، فإن اختلفوا كان اختلاف المسلمين، وإن اتفقوا فلا مجال للاختلاف.
وإذا كان عمر قد حصر تولية الإمامة في هؤلاء الستة، فإنه لم يحصر الشورى فيما بينهم، وإنما جعل الاختيار من حق الأمة، فهي التي تختار أحدهم قائلاً لهم: »تشاوروا ثلاثاً ويصلي بالناس صهيب، قالوا: ومن تشاور يا أمير المؤمنين؟ قال: شاوروا المهاجرين والأنصار وسارة من هنا ومن الأجناد«([20])، وانتهى الأمر باختيار عثمان t وعقدت الإمامة له.
الخلاصة:
إن في قصة استخلاف عمر أهل الشورى نلاحظ ما يلي:
- تقديم فكرة الاستخلاف من قبل المسلمين.
- تردد عمر بين الاستخلاف والترك.