الإمامة في الفقه الإسلامي (دراسة مقارنة) علي بن هلال بن محمد العبري أبو غالب

الإمامة في الفقه الإسلامي (دراسة مقارنة) لعلي العبري

الجزء ١ · صفحة ١٨٧

الإمام بشر يصيب ويخطئ، يرضى ويغضب، يتذكر ويغفل، وقد يظهر منه ما يتنافى مع هدي الإسلام ومقاصد الشريعة، وربما زين له الشيطان أمراً يرى فيه المصلحة، وهو في الحقيقة ظلم وجور، مما يجعله معرضاً لغضب الله وسخطه، وقد يؤدي ذلك الانحراف أو الخطأ إلى مصائب وشرور تعم الأمة كلها.

من أجل ذلك استحق الإمام النصيحة([2]) والتذكير والتنبيه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: »الدين النصيحة، قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم«([3]) قال النووي: »…وأما النصيحة للأئمة المسلمين، فمعاونتهم على الحق، وطاعتهم فيه، وأمرهم به، وتنبيههم وتذكيرهم برفق ولطف، وإعلامهم بما غفلوا عنه، ولم يبلغهم من حقوق المسلمين، والإمام العادل التقي يرى في النصيحة حقاً وإهداءً، لا تطاولاً أو انتقاصاً وإهانة؛ لأنه يدرك ضعف بشريته، وخطورة موقعه، وجسامة خطئه.

ومن ثم كان الخلفاء الراشدون والأئمة المهتدون يبادرون إلى طلب النصيحة، ويرون فيها الاستقامة والهداية، يقول أبو بكر الصديقرضي الله عنه: »…إنما أنا متبع ولست بمبتدع، فإن أحسنت فأعينوني، وإن زغت فقوموني«([4])، ويردد الفاروق عمر بين الصحابة قوله: »أحب الناس إلي من رفع إليّ عيوبي«([5]).

ومع أن النصيحة واجبة على المسلم نحو الإمام، إلا أن هذا الواجب يسقط إذا كان الإمام يتبرم من النصيحة ولا يقبلها، وتأنف نفسه من الاستجابة لها([6]).

ومع ذلك ينبغي على المسلمين أن لا يتركوا هذا الواجب، مهما كان الأئمة والحكام ظالمين وجائرين، لأن قول الحق أمام الحكام المنحرفين ليس أفضل الجهاد فحسب لقوله صلى الله عليه وسلم »أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر«([7]) وإنما هو –أيضا- صمام الأمان لهذه الأمة، وسبيل نجاتها، وعنوان قوتها وعلامة إيمانها، يقول عليه الصلاة والسلام: »إذا رأيتم أمتي تهاب الظالم أن تقول: إنك أنت ظالم فقد تودع منهم«([8]).

١٨٧ / ٢٥١