الإمامة في الفقه الإسلامي (دراسة مقارنة) لعلي العبري
الجزء ١ · صفحة ١٩٨القول الأول: يجب على الإمام أن يشاور المسلمين، ولا يستبد الرأي والقرار بنفسه، وهو قول: الإباضية([17])، وجمهور أهل السنة([18])، والزيدية([19])، وبه قال أكثر الفقهاء المعاصرين([20]).
قال الدكتور محمد عبدالقادر أو فارس: »لقد ذهب كثير من العلماء والفقهاء إلى أن الشورى واجبة على الحاكم، لا يحل له أن يتركها، وأن ينفرد برأيه دون مشورة المسلمين من أهل الشورى، كما لا يحل للأمة الإسلامية أن تسكت على ذلك، وأن تتركه ينفرد بالرأي دونها، ويستبد بالأمر دون أن يشركها فيها، فإن أقدم على هذا الأمر، فقد ارتكب منكراً، ينبغي عليها أن تنكره عليه، أخذاً بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي رواه الإمام مسلم رحمه الله في صحيحه بإسناده إلى أبي سعيد الخدريرضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: »من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان«([21]).
فالحاكم المستبد آثم بتركه واجب الاستشارة، والأمة آثمة لتركها واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبوسع الأمة إذا كانت متماسكة على قلب رجل واحد عزله وتحرير الأمة منه ومن ظلمه واستبداده، بل الشرع يفرض عليها ذلك، وقال ابن عطية رحمه الله تعالى في تفسيره المسمى »المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز«: »والشورى من قواعد الشريعة وعزائم الأحكام، ومن لا يستشير أهل العلم والدين فعزله واجب، هذا ما لا خلاف فيه«([22]).
الأدلة: استدل القائلون بالوجوب بما يلي:
1- قوله تعالى: ]وشاورهم في الأمر»([23]).
ووجه الاستدلال؛ إن الأمر يقتضي الوجوب، إذ ليس هناك من قرينة تصرفه عن موجبه الأصلي، ولئن كان بالنسبة للرسول صلى الله عليه وسلم فعلى من جاء من بعده من الأئمة والحكام أولى([24]).