الإمامة في الفقه الإسلامي (دراسة مقارنة) لعلي العبري
الجزء ١ · صفحة ٢٢٢لما كان الإمام الذي يظهر منه الفسق والظلم والجور قد أصبح غير كفء لمنصب الإمامة والقيادة في الدولة الإسلامية، كان ينبغي عليه أن يترك هذا المنصب الذي ما اختارته الأمة ليشغله إلا ثقة في عدله واستقامته ونزاهته، وبالتالي فالمنطق يحكم عليه بترك الإمامة، وإذا لم يبادر إلى ذلك فعلى الأمة أن تطالبه بالاستقالة، والخروج من الإمامة لإخلاله بالعقد والعهد.
فإن استجاب إلى مطالب الأمة وترك الأمر للمسلمين يختارون من يشاؤون فيها ونعمت.
ولكن، ولأن النفس قد طبعت على حب الذات، ولأن هذا الذي ارتكب حدثاً وأصر عليه ما فعل ذلك إلا لخلو قبله من الإيمان، والتقوى والخشية من الله، ناهيك عن عشق الزعامة والرياسة، كل ذلك يجعل الإمام الفاسق يتشبث بمنصبه، ويضرب بعرض الحائط إرادة الأمة، ومصالحها، وليس لديه أدنى وازع أن يسفك الدماء، ويقيد الحريات، ويسجن الشرفاء وقادة الأمة في سبيل بقائه واستدامة إمامته.
فما هو موقف الأمة عامة، وأهل الاختيار خاصة؟ هل يكتفون بالنصح والوعظ والصبر على الظالم والفاسق؟ أم يحملون السلاح ويعلنونها ثورة ضد الظلم والبغي انتصاراً للحق وقمعاً للباطل؟
لقد اختلفت المذاهب الإسلامية في الخروج على أئمة الجور والفسق، وكثرت الاجتهادات، وأصبح المسلمون بين إفراط وتفريط، فتأولوا في ذلك »تأويلات مختلفة، واحتجوا بحجج متناقضة… فقصر بهم –الأئمة- قوم عن منازلهم، وغلا قوم فيهم فحكموا عليهم بما لم تبلغه درجاتهم«([42]).
وقبل أن نستعرض مواقف المذاهب من مسألة الخروج على أئمة الجور نذكر بإجماعهم على أمرين:
الأول: حرمة الخروج على أئمة العدل، واعتبار كل خارج باغياً يجب على الأمة أن تقف مع الإمام ضده، حتى يعود إلى الجماعة ويقر بالطاعة أو يهلك([43]).
الثاني: وجوب الخروج على الإمام متى ثبت كفره أو ردته عن الإسلام، ورفض الاعتزال([44]).
أما الخروج على أئمة الجور فقد كانت أراء المذاهب كما يلي: