الإمامة في الفقه الإسلامي (دراسة مقارنة) لعلي العبري
الجزء ١ · صفحة ٣٥اعترض القائلون بالوجوب الشرعي على ذلك وقالوا: إن دفع الضرر توجبه العقول، وتقتضيه العادات، وهذا لا خلاف فيه، وإنما الكلام في الوجوب بمعنى استحقاق الثواب عند الامتثال، والعقاب عند العصيان، والأحكام التي يترتب عليها الثواب والعقاب لا تستفاد إلا بطريق الشرع، ولا سبيل للعقل إلى معرفتها([31]).
ولأن الإمام يقوم بأمور طلبها الشارع، وقد كان من الجائز عقلاً أن يرد التعبد بها([32]).
القول الثالث:
يتفق أصحاب هذا القول –وهم الإمامية- مع القائلين بالوجوب العقلي للإمامة واعتبارها من الضرورات الفطرية، إلا أنهم يختلفون معهم حول القضية الثالثة، وهي: على من يجب نصب الإمام؟ فقالوا: يجب على الله([33]) -سبحانه وتعالى-.
الأدلة:
استدل الإمامية على ذلك بأدلة عقلية منها:
(1) بعد انتقال صاحب الشريعة إلى الخلود يكون حال الناس واحداً من ثلاثة أمور:
إما أن يكونوا قد أصبحوا كالبهائم، فلا نظام، ولا أحكام ولا حلال ولا حرام.
وإما أن يكون فيهم علماء في الشريعة، وأحكامها، عدولاً بالذات في الأقوال والأفعال.
وإما أن يكون فيهم العالم والجاهل، والصالح والفاسد، والمهتدي والضال، كما كان حالهم على عهد الرسول e.
وعلى الأمرين الأولين لا يحتاجون إلى من يقودهم ويؤمهم، إلا أن الواقع والحقيقة والوجدان تحكم بعدم حدوثهما.
فينحصر القول في الأمر الثالث، وبناء على ذلك يجب أن يكون لهم إمام عالم بالشريعة كلها، عادل في ما يعرض عليه من قضايا، هادٍ بنفسه ليهدي الأمة، هدياً لا يعتريه شك ولا ارتياب.
لكن الناس لا قدرة لهم على معرفة ذلك الإمام المتحلي بتلك الصفات والواقع يؤيد عدم معرفتهم به.
وعلى افتراض انهم يعرفونه، إلا أن اضطراب الأهواء، واختلاف الآراء يجعل اجتماعهم عليه متعذراً([34]).
فإذا علمنا ما سبق، كان واجباً على الله »لطفاً بعباده أن يختار لهم ذلك الإمام الحاول للخصال العلوية، النزيه عن الصفات الدنية«([35]).
(