الإمامة في الفقه الإسلامي (دراسة مقارنة) لعلي العبري
الجزء ١ · صفحة ٤٦1) إن الاستنابة تكون عمن يغيب، والخلافة تكون عمن يموت، والله سبحانه حي لا يموت ولا يغيب، »شهيد مدير لخلقه لا يحتاج في تدبيرهم إلى غيره، وهو سبحانه خالق الأسباب والمسببات جميعاً، بل هو سبحانه يخلف عبده المؤمن إذا غاب عن أهله«([20]).
2) إن الإمام لا يتولى الإمامة بتعيين من الله تعالى، وإنما باختيار الأمة، وعقد أهل الحل والعقد فيها، وكما قلنا سابقاً إنه لا يملك أحد أن يعين نائباً عن غيره.
3) لو كان من الجائز أن يوصف أحد بأنه نائب عن الله ووكيل له في عباده لكان رسول الله أولى بذلك، لأن النبوة باختيار إلهي، ومع ذلك لم يقل أحد بذلك.
4) ولذلك كان الخلفاء الراشدون حريصين على تأكيد بشرية المنصب الذي تولوه؛ فكانوا يدعون الأمة إلى إعانتهم والوقوف معهم، وإلى تقويمهم إذا اعوجوا، وما ذلك إلا لأنهم يعلمون أنهم نواب الأمة وليسوا نواب الله([21]).
الرأي المختار:
لاشك أن الإمام لا يصير إماماً إلا بتفويض من الأمة القائم على الرضى والاختيار، فهي أبه بالوكالة، حيث أقامت الأمة الإمام مقامها في تطبيق الشريعة، ورعاية المصالح العامة والاهتمام بها، وعلى هذا يستند من اعتبر الإمام وكيلاً للأمة ونائباً عنها.
إلا أنه ينبغي التنبه إلى أنه ليس كل أحكام الوكالة تسري على عقد الإمامة، فمثلاً لا يحق للموكل »الأمة« أن تعزل وكيلها »الإمام« من غير سبب إذا ما »تفرد في الوقت بشروط الإمامة«([22]).
كذلك فإن الإمام لا يتصرف في حقوق الأمة فحسب –وإن كان التفويض آت من قبلهم- وإنما يتصرف أيضاً في حق الغير؛ وهو سبحانه وتعالى، لأن الإمامة »من الحقوق المشتركة بين حق الله تعالى وحق الآدميين«([23]).
وأيضاً فإن الإمامة تختلف عن الوكالة من حيث »الحكم التشريعي« فالأولى واجبة؛ يلحق الأمة حرج وإثم في إهمالها، بينما الثانية مباحة لا يلحق تاركها إثم ولا حرج([24]).