الإمامة في الفقه الإسلامي (دراسة مقارنة) لعلي العبري
الجزء ١ · صفحة ٥٩فقد شاءت إرادة الحق سبحانه أن يكون الإنسان خليفة في الأرض، وجعل له كل ما أودع فيها من نعم وخيرات ]هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا[([5])، وهذه المهمة لا تتأتى في التصرفات الفردية، وإنما تحتاج إلى تنوع في الاستعدادات والمواهب، ولا يمكن أن يتحقق معنى الاستخلاف إلا بتوظيف جميع تلك المواهب والطاقات([6]) في سبيل سعادة البشرية وفلاحها.
ولا ريب أن الاختلاف والتنوع عند بني الإنسان في القدرات والمواهب والحاجات والرغبات، يؤدي إلى اختلاف التصور والتخطيط، وتقدير الأولويات والحاجات؛ مما يؤدي إلى اضطراب الحياة وفسادها، فكان لابد من وجود جهة تلتقي حولها النفوس، ونظام يبين للناس الحق والصواب، ويوجههم نحو القيام بالرسالة التي كلفوا القيام بها، وحفظ الأمانة التي حملوها، بمنتهى الإخلاص والإدراك، ولا يخفى أن القيام بهذه المهمة لا يمكن أن يقوم بها إلا نظام يستمد مبادءه وقوانينه من الذي جعل الإنسان خليفة في الأرض، يستمد أحكامه من القرآن والسنة لأنهما وحدهما القادران على الإجابة على كل سؤال، وتلبية كل ما يحتاجه الإنسان؛ إما نصاً وإمام توجيهاً وإشارة.
ثالثاً: تحقيق وحدة الأمة:
الوحدة خصيصة من خصائص التشريع الإسلامي، وفي الوقت نفسه هدف من الأهداف التي يحث عليها، ]واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا[([7]) ولفت القرآن الكريم المؤمنين إلى أنهم أمة واحدة فقال: ]إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون[([8])، ]وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون[([9]).
ولا ريب أن هذه الوحدة التي يرتضيها الإسلام للمنتسبين إليه، ويتطلع إليها كل مسلم لا يمكن أن تتحقق في عالم الواقع إلا بوجود دولة قوية وقائد صالح كفء، تختاره الأمة بإرادتها الحرة، ليسعى إلى تحقيق آمالها التي لا يتصور أن تتناقض مع غايته وهدفه كمسلم يجعل نصب عينيه قوله تعالى: ]قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين[([10]).