الإمامة في الفقه الإسلامي (دراسة مقارنة) علي بن هلال بن محمد العبري أبو غالب

الإمامة في الفقه الإسلامي (دراسة مقارنة) لعلي العبري

الجزء ١ · صفحة ٩٦

إلا أنه قد تطرأ مستجدات وظروف تجعل من المتعذر قيام الإمامة بتدبير كل أرجاء دار الإسلام، ومن تلك الأسباب »اتساع الخطة وانسحاب الإسلام على أقطار متباينة وجزائر فيلحج متقاذفة، وقد يقع قوم من الناس نبذة من الدنيا لا ينتهي إليهم نظر الإمام، وقد يتولج خط من ديار الكفر بين خطة الإسلام ويتقطع بسبب ذلك نظر الإمام الذين وراءه من المسلمين«([45]).

وقد تسقط الإمامة العظمة ويستولي على أمر المسلمين الجبابرة والسلاطين الجورة فيسعى أهل كل إقليم إلى إقامة الإمامة العادلة من غير أن يتمكن أهلها من القضاء على سلطان الجور.

فهل هذه الأسباب تجيز تعدد الأئمة؟ وهل تلك الإمامات شرعية؟

أجاز الإباضية([46]) ذلك، وطبقوه عملياً([47]) قال الإمام العالم محمد بن محبوب -رحمه الله-: »كل إمام خرج في موضعه كان إمام ناسه وبلده، وكانت ولايته واجبة على المسلمين إذا علموها، فيتولى كل واحد من أئمة المسلمين الآخر من مواضعهم، وليس على أحد منهم الانقياد لصاحبه أن يكون عاملاً له ما لم تتصل أمصارهم وحكمهم فيها، أو لم يكن بينهم أحد من الجبابرة«([48]).

ونسب إمام الحرمين الجويني القول بالجواز إلى شيخه أبي الحسن والأستاذ أبي إسحاق الإسفرائيني([49])، واختاره أبو منصور البغدادي([50])، والقرطبي في تفسيره([51])، وانتصر له الشوكاني([52])، وقال بأنه: »المناسب للقواعد، والمطابق لما تدل عليه الأدلة، ودع عنك ما يقال في مخالفته، فإن الفرق بين ما كانت عليه الولاية الإسلامية في أول الإسلام وما هي عليه الآن أوضح من شمس النهار، ومن أنكر هذا فهو مباهت لا يستحق أن يخاطب بالحجة لأنه لا يعقلها«.

٩٦ / ٢٥١