الدرر البهية في الخطب الجمعية لبدر العبري ج3
الجزء ١ · صفحة ٦٠قفوا معي – يرحمكم الله – مع الجانب الأول من الوصايا، مع جانب التوحيد والعبادة، تأملوا معي قوله تعالى: لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا، فمن الذي أوجدك وكونك، وسواك وعدلك، ووهب لك السمع والبصر، ومن عليك بسائر النعم؟! أليس الله الذي لا شريك له، فحذار أن تجعل معه مقصودا ثانيا، وإلها وشريكا، واجعل عبادتك خالصة له سبحانه: ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا، واعلم – رحمك الله – أنّ كل عمل تمارسه في هذه الحياة، في البيت والمسجد، وفي مكان العلم والعمل، في الليل والنهار؛ إنما هو عبادة لله تعالى، إذا رجوت بذلك رضوانه، ووقفت عند حدوده، وتقيدت بأمره ونهيه، يقول المصطفى – صلى الله عليه وسلم -: "الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها كلمة لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق"، فكن موحدا لربك في كل عمل تعمله، مقدما مراقبة الخالق قبل مراقبة المخلوق، راجيا من الله العطاء والقبول، فهو ذا الجود والعطاء، والمن بلا انقطاع، يقول جلّ في علاه: كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا، فتوحيدك الخالص له سبحانه في كل حين وزمان يبعث في نفسك السعي والاجتهاد، ويبث فيك الرضا بما رزقك إياه، والصبر على شدائد الأمور، متمتعا بالواقعية وحسن التدبير والتصرف، يقول تعالى: وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا، فالموحد ربه حقا، والمؤمن قلبا وقالبا، يعلم بتفكيره النير، أنّ الرزق بيد الله تعالى وحده، فلا يرمي نفسه البريئة في الانتحار، ولا ييأس مهما كانت الظروف والأحوال، إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ