السخرية في الأدب الجزائري الحديث 1925-1962م محمد بن قاسم ناصر بوحجام

السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ١٠٤

حية أقدِّمها للقارئ، لعلَّه يتوصَّل بها إلى تفهُّم بعض طباع مجتمعه؛ فيلمس أنبل نفس في أحقر شخصية، ويلمس الإيمان القويَّ في قلب الرجل الضال، والزيع والإلحاد تحت عمامة رجل الشرع … "(1) السبب الرئيسي في هذه الانحرافات هو الارتجال الذي أعدَّت به هذه الشخصيَّات؛ إذ أنَّها لم تُعدَّ إعدادا يتماشى مع خطورة الرسالة، التي تتناسب وحقيقة الإنسان العاقل المميَّز عن سائر المخلوقات.

يوقفنا رضا حوحو على هذه الحقيقة، ويبيِّن طبيعة هذه الشخصيات. ويشير إلى أنَّها أعدَّت إعدادًا ناقصًا وكُوِّنت تكويناً سريعاً، كما يعدُّ الطعام بطريقة سريعة؛ فيأتي ناقص المذاق والطعم … وربما أضرَّ بمن تناوله: "جاء في معاجم اللغة: ارتجل الطعام أي طبخه في المرجل، وارتجل الكلام، أي ألقاه دون روية أو تحضير. أمَّا الشخصية المرتجلة في معجم الحقيقة المرَّة، فقد جمعت بين المعنيين لهذه الكلمة: الطبخ وعدم الإعداد والتحضير، وإذا أمعنت النظر، ودقَّقت الفهم في الطبخ والارتجال، يتَّضح لك بجلاء أنَّهما متقاربان في المعنى"(2).

بعد هذه المقدِّمة التي بيَّن فيها معنى الارتجال والإعداد السريع والتحضير غير الجيِّد للأشياء، يخلص إلى بيان حقيقة الشخصية المرتجلة: " أمَّا الشخصية المرتجلة فهي تلك الشخصية التي تُطبَخ على عَجَلٍ في مرجل الأنانية وحبِّ الذات، فلم ينضج منها إلاَّ ظاهرها، ثم تغمس في سائل كيماوي عجيب، ركِّب من الدجل والغرور والشهوات الجائعة، فهو يشبه العسل في مظهره، ولكنَّه يخالفه في مخبره"(3).

إذن هذه الشخصيات المرتجلة رُكِّبت من سوائل كيماوية عجيبة غريبة عن المركَّب الإنساني، مكوِّناتها الجهل والأخلاق الدنيئة والشهوات الجائعة. بهذه

(1) أحمد رضا حوحو، غادة أم القرى وقصص أخرى، المؤسَّسة الوطنية للفنون المطبعية، رغاية (الجزائر) سنة 1989م، ص: 180.

(2) أحمد رضا حوحو "الشخصيات المرتجلة،" البصائر الثانية "،ع: 8 (26/ 09/1947م) ينظر أيضا غادة أم القرى وقصص أخرى، ص: 241.

(3) م. ن.

١٠٤ / ٤٩٤