السخرية في الأدب الجزائري الحديث 1925-1962م محمد بن قاسم ناصر بوحجام

السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ١٠٧

في السلوك … كلُّها نُضِّدَتْ في خيط، لتعبِّر عن الشعور بالإهانة والحيف، ولُفَّتْ في لفافة من السخرية والتهكم؛ لتفصح عن القلق من هذا الانحراف عن الدين، الذي تسبَّب فيه تلاعب الحكام، الذين أسندوا مهمَّة القيام على الدين ورعايته وحمايته إلى رجال أو ناس لا يفقهون من العلم شيئًا. هذه اللفتة وهذا العرض هما نداء يرسله الكاتب للقيام بسرعة، وبذل جهود كبيرة في سبيل التغيير والإصلاح(1).

من نماذج انحراف الفقهاء والشيوخ عن الدين ما سجَّله البشير الإبراهيمي عن الشيخ "محمد الطاهر بن عاشور"(2)، حين أفتى في مسألة شرعية، إذ رأى أنَّ هذه الفتوى مخالفة للدِّين. كتب مستهزئا بالمفتي، ومعرِّضا به، وبمن تبعه من المسلمين في هذه الفتوى، التي كان يبغي المفتي من ورائها إرضاء هوى في نفسه، وهو الحريص في المحافظة على الولاء للحكومة، وعلى الوفاء لمنصب المشيخة، الذي هو منصب سياسي. وقد عدَّ الكاتب ذلك انحرافاً عن الجادَّة والمحجَّة البيضاء.

فبعد أن فرَّق الكاتب بين لَقَبَيْ شيخ الإسلام وشيخ المسلمين قال ساخراً: " … هذا فما قولكم - يرحمكم الله - في شيخ الإسلام، صاحب الفتوى في قراءة القرآن؟ قولوا ما شئتم، فإنِّي لا أدعوه بعد اليوم إلاَّ شيخ المسلمين في غير ظلم ولا تحيُّز، بل اعتقد أنَّني –إذا أسميته بهذا- إنما أسمِّيه بأحبِّ الأسماء إليه؛ لأنَّه آثر رضاهم على رضى الحق، وإرضاءَهم على إرضاء الدين، ثم لا تسألوني عمَّن أعنى بهؤلاء المسلمين، فهم بالضرورة غير من أغرى بهم قوَّة الحاكمين. وما ظنُّكم؟ لو أنَّ التاريخ الإسلامي العامر يؤلِّف من عظمائه هيئة (امتحان) ويكون من أصولها أن تعطي على درجات الامتحان ألقابًا معرفة لا غالية، ولا مجحفة، ثم يتقدَّم إليها (ابن القيِّم) بكتاب (زاد المعاد) أنَّه أطروحته (العلمية)، ألا يكون الإنصاف أن يُعطى

(1) ينظر أيضاً في هذا المعنى "إبليس ينهى عن المنكر" و"إبليس يأمر بالمعروف"، عيون البصائر، ص: 455 - 462.

(2) الشيخ محمد الطاهر بن عاشور (ت 1973م) علم بارز من أعلام الإسلام المعاصرين، فقيه تونسي، مجدِّد مجتهد، له باع طويل في التأليف والتحقيق العلمي، تقلَّد مشيخة جامع الزيتونة عدَّة مرَّات. وكان له دور بارز في إصلاح التعليم فيه. كما تولَّى منصب مفتي المالكية في تونس، من مؤلَّفاته "التحرير والتنوير" في التفسير، وتحقيق ديوان بشَّار برد. وهو أحسن من حقَّقه.

١٠٧ / ٤٩٤