السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١٠٨لقبَ شيخ الإسلام، ويتقدَّم إليها الشيخ الطاهر بن عاشور بفتواه على أنَّها (تازه) العلمي … ألا يكون من العدل أن يعطى لقب شيخ المسلمين"(1).
التهكُّم هنا يبدو جلياًّ وماكرًا لاذعا في الوقت نفسه؛ وذلك حين يعلِّل الكاتب تصرُّف الشيخ الفقيه محمد الطاهر بن عاشور، ويقول إنَّ السبب في ذلك هو أنَّه آثر رضا الناس على رضا الحقِّ، وإرضاء الدين. والقدحُ والازدراء يبدوان أيضا في هذه الأسئلة الإنكارية والتوبيخية، التي وجَّهها الكاتب إلى القرَّاء المخاطبين؛ ليكشف من خلالها حقيقة هذه الشخصية التي انحرفت عن الدين.
يستشفُّ من سخرية الكاتب أنَّ هناك فرْقاً كبيرا بين شيخ الإسلام الذي يستمدّ آراءه من الإسلام، ويصدر عنه في استنباط الأحكام، وبين شيخ المسلمين، الذي يراعي في فتاويه، وفي تقديم آرائه وأفكاره جانب الناس وأحوال المسلمين من حيث رضاهم، وتقبُّلهم ما يدلي به الشيخ. في هذه التفرقة المتعمَّدة بين الحالين، وفي هذا الوصف تكمن – أيضا – سخرية الكاتب وتهكمه وتعريضه بالشيخ الطاهر بن عاشور مفتي المالكية في تونس. لا يكتفي الكاتب بهذا، بل يذهب بعيدا بسخريته، فيتتبَّع المناصب التي يشغلها المسخور منه باسم الدين، ويراها مناصب حكومية، للمستعمر دور كبير في توجيه الأعمال – بواسطتها – إلى مالا يتعارض مع مصالحه. بل إنَّ صاحب مناصب كهذه تغفر زلاَّته مع أبناء الأمَّة؛ لأنَّها تخدم أهداف المستعمر؛ وبذلك تكون سببا في ترقية المتهكم به: " … وقد وُلِّيَ صاحبنا القضاء أو قضاء الجماعة على اصطلاحنا، وهذا المنصب بتونس في حقيقة أمره شعبة من شعب الملك، بل معنى من معاني التمكين (وحرز)، من خواصِّه المنع والتحصين، وإكسير يحيل الخروج من الحدِّ إلى نتائج الضدِّ، فلا تسمَّى السيِّئة معه باسمها، ولا يترتَّب عليها ما يترتَّب على السيئات من عذل وعزل، بل تُعَدُّ من أسباب الترقية، وقد دام هذا إلى وقت قريب"(2).
(1) محمد البشير الإبراهيمي، "أشيخ الإسلام هو أم شيخ المسلمين؟ "، آثار الشيخ محمد البشير الإبراهيمي ج1، ص: 154. نشر المقال في جريدة "البصائر" الأولى. ع: 20 (22/ 05/1936م).
(2) م. س، ص: 156،157.