السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١٠٩هناك انحرافٌ عن الدين من نوع آخر، أناس يدَّعون الإسلام، ويحشرون أنفسهم في زمرة المسلمين، ويستغلُّون مظاهره ليقنعوا الناس بتمسُّكهم به، أو ليخدعوهم به. يصوِّر لنا أحمد رضا حوحو نموذجا من هؤلاء أثناء قيام أحدهم بفريضة الحجِّ، وهو لا يفقه في الحجِّ أمراً، بل لا يعرف من العبادة شيئا يذكر. يصوِّر الكاتب سلوكه وتصرُّفاته التي تكشف عن بعده عن الإسلام، ويذكر أخلاقه بطريقة ساخرة. يسرد حكايته مع حاجٍّ قصد الحجاز لأداء فريضة الحجِّ، وقد كانت الرحلة إلى الحجاز آنذاك تعني السياحة، خاصة حين تكون الجهة المشجِّعة على ذلك حكومة كالحكومة الفرنسية. يقول الكاتب: " اتَّصلت ذات يوم بحاجٍّ من هؤلاء الحجيج، وكان الرجل يحتلُّ مكانا مرموقا في الإدارة الحكومية؛ رغم أنه كان أميًّا لا يحسن العربية ولا الفرنسية، أمَّا الإسلام وقواعده الأولية فلم يسمع بها طيلة حياته؛ رغم سنِّه المتقدِّمة، وإن كانت لحيته الكثيفة، وهندامه العربي يخدعان النَّاظر إليه، فيظنَّه شخصية إسلامية ممتازة من كبار رجالات الدين بالمغرب العربي"(1).
هكذا يرسم لنا الكاتب شخصية هذا النموذج المنحرف: رجل حكوميٌّ مرموق في الإدارة الفرنسية، أميٌّ لا يحسن اللغة العربية ولا الفرنسية، جاهل بقواعد الإسلام الأولية؛ رغم تقدُّمه في السن، مظهره مظهر إنسان مسلم عربي: لحية كثَّة، وهندام عربيٌّ، فهو عند الرائي شخصية إسلامية من كبار رجال الدين بالمغرب العربي. هذا الوصف كافٍ ليحدث نوعا من التهكُّم والسخرية والاحتقار؛ للمفارقات التي يلحظها المرء في حياة الرجل: مفارقات بين هيئته وسلوكه.
لذا التقط لنا الكاتب بعدسته المكبِّرة، وحساسيَّته المرهفة صوراً من سلوك الرجل أثناء قيامه بأداء فريضة الحجِّ. أوَّل ما سجَّله على الرجل عدم معرفته لإسباغ الوضوء، إذ أنَّه شرع فيه مبتدئاً من رجليه. ابتدره خادمه قائلا: "ما هذا الوضوء يا سيِّدي الحاج؟ أتتوضَّأ من رجليك؟ ماذا نعمل! هكذا علمُّونا (كذا) سادتنا!
(1) "سيد الحاج"، غادة أم القرى وقصص أخرى، ص: 264.