السخرية في الأدب الجزائري الحديث 1925-1962م محمد بن قاسم ناصر بوحجام

السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ١١٠

وسكت الخادم، ولعله ظنَّ أنَّ مذهبه الفقهي يجيز هذا الوضوء الذي يبتدئ من الرجلين وسكتُّ أنا أيضاً"(1).

وليقدِّم مزيداً من التفاصيل عن حقيقة الرجل، ركَّز كثيراً على المظاهر التي بدا بها أمام الناس، لاجئاً بطريقة ساخرة ماكرة إلى المقارنة والمقابلة بين مظهره هو ومظهر الرجل، ليذكر بعد ذلك سلوكه. كلُّ ذلك ليتهكم بهذا النموذج من البشر، وليجعله أضحوكة بين الناس: " … وخرجنا إلى الأسواق … كان منظراً مضحكاً، صاحبي بجثَّته الضخمة، وعمامته الكبيرة، وقامته الفارعة الطول، ولباسه الجزائري العتيق، وأنا جنبه بلباسي الحجازي وجسمي النحيل، ولذلك كنَّا عرضة لتنكيت المارَّة وروَّاد السوق … كانت جولتنا حافلة بالمشاكل والمعارك مع مختلف الباعة والتجار؛ لأنَّ صاحبي كان حديد الأعصاب، كلمة ونصفها ثم يلجأ إلى قاموسه الخاص، يخرج منه ما تيسَّر من الشتائم والسباب، ولم ينقذنا من مشاكلنا سوى أذان المغرب، الذي أخذ يدوِّي في الفضاء، ورجال الأمر بالمعروف يصيحون الصلاة … الصلاة وهم يسوقون الناس إلى المسجد"(2).

أيُّ مسلم هذا الذي تكون حياته مليئة بالمشاكل مع الناس في بقعة يذهب إليها المؤمنون لنسيان هذه المشاكل والتخلُّص منها؟ وأيُّ مسلم هذا الذي يكون له قاموس من السباب والشتائم، في الوقت الذي يبدو فيه رجلا محترمًا مؤمنًا؟ وأيُّ رجل هذا الذي يضيف إلى أوزاره أوزاراً أخرى عوض أن يرجع إلى بلده بالأجر والمغفرة؟ هذه هي الأمور التي كان يهدف الكاتب إلى كشفها، فلجأ إلى السخرية ليبرز المفارقات.

ثم يذكر أنَّ صاحبه هذا "سي الحاج" لا يعرف ماذا يصلِّي، ولا كيف يصلِّي، ولا كم يصلِّي، فكان في كلِّ مرَّة يكرِّر السؤال نفسه، بل كان أحياناً

(1) م. ن.

(2) م. س، ص: 265.

١١٠ / ٤٩٤