السخرية في الأدب الجزائري الحديث 1925-1962م محمد بن قاسم ناصر بوحجام

السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ١١

السخرية والتهكم؛ بالرغم من إسهاماتهما الكبيرة في النهضة الجزائرية الحديثة.

وقد اخترنا "السخرية" عنواناً للدراسة؛ رغم ورود كلمات (الفكاهة والتهكم والتندر … ) أثناء التحليل؛ لأنَّ هذه الكلمات كانت متقاربة جدّاً في دلالاتها اللغوية والفنية، بل ومتداخلة أحياناً، إلاَّ أنَّ السخرية كانت أعمَّها وأشملها، وبقية الكلمات كانت كلّها تنضوي تحتها.

بناء على كلِّ ما ذكرناه كان على البحث أن يجيب عن الأسئلة الآتية: ما سبب اختيار الأدباء السخرية أسلوباً من أساليب التعبير؟ وما هي مجالاتها التي تحرَّكت فيها؟ ما هي طبيعة هذه السخرية؟ وما هي إسهاماتها في تحريك الحياة العامَّة في الجزائر؟ كيف تطوَّرت؟ وما هي خصوصياتها التي تميِّزها عن السخرية في الآداب الأخرى؟ ما مكانتها بين ما وُجد في الأدب العربي؟ وأخيرا هل اختار الأدباء السخرية عن وعي، وعرفوا العناصر التي تُجَوَّدُ بها الكتابة؛ لتؤدّي رسالتها؟ أم كان ذلك عن تقليد ومحاكاة للغير فقط؟

للإجابة عن هذه الأسئلة، لم يتَّبع البحث منهجا واحداً، بل حاول الاستفادة من مناهج عديدة، كان في مقدِّمتها المنهج النفسي والمنهج الوصفي. جاء المنهج النفسي ليبحث عن المعنى الخبئ في النص، أي المضمون الكامن وراء المعني الظاهر، الذي يدلُّ على نفسية صاحبه، ويكشف عن الصفة الرمزية التي يحملها النص، وبذلك يحاول سبر أغوار نفوس الأدباء، ومعرفة حقيقة مشاعرهم وطبيعتها. أماَّ المنهج الوصفي الذي يعتمد على الاستقراء، فقد استعمله البحث ليبيِّن كثرة ما كتب في موضوع واحد؛ للوقوف على مدى اهتمام الأدباء بنقطة معيَّنة، ومدى استحواذ مشاعر معيَّنة عليهم. مع الاستفادة من المنهج التاريخي في مراعاة التسلسل الزمني للنصوص والتفسير التاريخي لبعضها في أغلب الأحيان.

اخترنا لبداية هذه الدراسة سنة 1925م؛ لأنَّها السنة التي عرفت تحوُّلا كبيراً في الجزائر؛ فقد كانت بداية حقيقية للنَّهضة الجزائرية الحديثة بعامَّة، والحياة الأدبية بخاصَّة؛ إذ هي السنة التي شهدت ميلاد الحركة الإصلاحية، التي كان لها دور كبير

١١ / ٤٩٤