السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١١١يستثقل الصلاة فيتركها: "ووجد صاحبي صلاة العشاء طويلة جدًّا، ولهذا قرَّر حذفها من برنامجه وإبدالها براحة في المنزل"(1).
ينهي الكاتب سرد هذه الحادثة بهذا التهكُّم والسخرية: " انقضت أيام الحج بسلام، ورجع سيدي الحاج إلى بلاده بحجِّه المبرور وذنبه المغفور، حاملاً معه مختلف التُّحف والهدايا للأهل والخلاَّن، متوِّجًا اسمه بلقب "الحاج" تاركاً هذه الذكريات الطريفة التي خلَّدته في ذاكرتي، وجعلت منه نموذجاً بشريًّا ممتازاً"(2).
هكذا يرسم لنا رضا حوحو نموذجاً للناس الذين يعنون بالمظاهر والشكليات، ويخفون حقيقة ذواتهم ومخابر نفوسهم. هذا أسلوب من أساليب الكشف عن مظاهر التزييف، والانحراف وهو نوع من النقد الاجتماعي الذي يتّخذ بعض المظاهر وسيلة لإبراز هذه العيوب والسلبيات "وغالباً ما يوجَّه النقد هنا إلى شخص ما حقيقي أو متخيَّل، أو إلى جماعة يمثِّلون خُلقاً اجتماعيًّا أو ظاهرة من الظواهر المعروفة، فإذا سخروا من بعض اللحى الطويلة، أو من أصحابها، فإنَّما يوجِّهون النقد إلى التخفِّي وراء المظاهر الخادعة، والتستُّر بالشكليات، بينما الواقع انحراف ونفاق وفسق"(3).
من النصوص الثلاثة التي ذكرناها في انحراف رجال الدين والحكوميِّين لحظنا تركيز الكتَّاب على مظاهر الجهل وحبِّ العظمة والأبَّهة والاعتناء بالشكل والمظهر. كلُّ ذلك ممَّا يحاربه الدين؛ لأنَّه انحراف عن سواء الصراط.
2 - انحراف في السلوك:
وللانحراف في السلوك نأخذ مثالاً واحداً، هو ما كتبه "مفدي زكرياء" في الردِّ على "محي الدين باش تارزي"(4) منتقداً خروجه عن الأخلاق والآداب
(1) م. س، ص: 266. ارتكب الكاتب خطأً لغويًّا، إذ أدخل الباء على ما اختاره "سي الحاج" والأصل أن يقول: "استبدل بصلاة العشاء راحة في المنزل" لأن الباء تدخل على المتروك.
(2) م. ن.
(3) السخرية في أدب المازني، ص: 69، 70.
(4) محي الدين باش تارزي، ممثل مسرحي باللسان الدارج، كانت له صلة بالإعلام الاستعماري خاصَّة الإذاعة والتلفزة، وكانت علاقته بالممثلين باللغة العربية غير طيبة.