السخرية في الأدب الجزائري الحديث 1925-1962م محمد بن قاسم ناصر بوحجام

السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ١١٢

الإسلامية في مسرحيَّته (بعد السكرة)، التي عرضها على الجمهور. وقد كان فيها رقصٌ وعُريٌ ودعاية إلى الخمر، ودعوة إلى النزعة الطَّائفية والعرقية …(1).

وبعد ردِّ محي الدين عليه، متَّهما إيَّاه بالكذب والتزوير(2)، يعقِّب عليه مفدي زكرياء. لكنَّ الأسلوب - هذه المرَّة - يكون ساخراً. ممَّا جاء في هذا التعقيب: "وكم أنا حائرٌ في فهم معنى تسمية هذا الإنسان بالبلبل، ولقد حاولت جهدي أن أطبِّق الصفات بين المشبَّه والمشبَّه به، فما وُفِّقت في ذلك، ولا استطعت إلى ذلك سبيلا، فلنضع الميزان مثلاً: فنجعل بالكفَّة اليمنى بلبلاً سماويًّا لطيفا ظريفاً، ونضع معه بنفس الكفَّة (جبل رضوى)(3) لحفظ التوازن ولنجعل بالكفَّة اليسرى بلبلنا العظيم الضخم، فنرى البلبل السماوي يطير في السماء؛ خفَّة وروحاً، حاملا بين جنبيه جبل رضوى، ونرى بلبلنا يهوي إلى الطبقة الأخيرة من الأرض ثقلاً ورعونة!! ولنجرِ تجربة أخرى معنوية، فلنستنطق أحد بلابل السماء على غصن من الغصون، ولنستمع لصوته الشجيِّ الساحر الجذَّاب الآخذ بمجامع القلوب، ولنستنطق بلبلنا الأرضي على خشبة (الأوبرا) ولنسمع هول النفخة في الصور، وحشرجة الموت بالحناجر والصدور، فلم يبق بعد ذلك أدنى شبه بين بلبلين، فبين هذا وذلك بعد المشرقين"(4).

في هذه المقارنة يكمن التهكم، وفي سرد هذه النتيجة غير المتوقَّعة تكون السخرية. البلبل السماوي ومعه جبل رضوى يطيران في السماء خفَّة وروحاً، بينما باش تارزي، وهو المخلوق الضعيف، يهوي أسفل سافلين؛ بسبب ثقله بالآثام والموبقات. والتعبير بطائر سماوي، وبالطبقة الأخيرة من الأرض يشير إلى سموِّ البلبل السماوي ورفعته وطهارته، وإلى انحطاط البلبل الأرضي وحقارته ودناءته. والمقابلة

(1) ينظر مفدي زكريا، "نغمة جديدة لتفريق الشعب الجزائري"، جريدة الأمَّة، ع: 99 (17/ 11/1936م).

(2) ينظر محي الدين باش تارزي، "نغمة جديدة لتكذيب الكاذب المفرِّق بين الشعب الجزائري"، الأمَّة، ع: 100 (24/ 11/1936م).

(3) رضوى: جبل بين المدينة وينبع (المملكة العربية السعودية) يقطع منها الحجر لسنِّ السيوف.

(4) مفدي زكرياء، "إلى البلبل الزعلان "، الأمَّة، ع:101 (08/ 12/1936م).

١١٢ / ٤٩٤