السخرية في الأدب الجزائري الحديث 1925-1962م محمد بن قاسم ناصر بوحجام

السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ١١٣

بين صوت البلبل السماوي الشجيِّ الجذَّاب الآخذ بمجامع القلوب وصوت البلبل الأرضي، الذي هو حشرجة ونفخة في الصور مرعبة مزعجة منذرة بالموت والفناء، (فبين هذا وذاك بعد المشرقين). هذه المقابلة أو هذا التصوير ينبئ ويوحي بخلود الأوَّل وفناء الثاني.

إمعاناً في التهكم وغلواًّ في الإيلام، يتناول الكاتب لفظ"بلبل"ويقارنة ويقابله بكلمة "بلبال" ويُعمِل فيهما فكره، ويشهر عليهما سلاح السخرية ويسقط عليهما سيرة محي الدين، ويصبّ فيهما مشاعره؛ ليخرج بنتيجة تجعل المسخور منه أضحوكة بين الناس. سبب ذلك ألف سقطت من "البلبال" ليصبح محي الدين "بلبلا"، فسقط معها في مهاوي الحقارة والنذالة بسبب رذيلة الزعم والادِّعاء والتحريف .. " إذن لا تكون هذه التسمية إلاَّ محرَّفة وأصلها "بلبال"(1) اصطدمت رجل الأستاذ محي الدين بالألف ذات يوم عند مروره مسرعاً؛ ليتقاضى من مركز (فينيكس PHINIX) أجر أتعابه، فانكسرت، واتَّصلت الباء الثانية باللاَّم فصارت (بلبل)، فأصبح الأستاذ في صفِّ البلابل رغم أنف الجميع"(2). إذن فباش تارزي ليس بلبلا، إنَّما هو بلبال وذئب وحيوان حقير، يسعى إلى التهريج والتهييج؛ ليحدث بلبلة في المجتمع، ويعمل على التحريف والتزييف. التصحيف الذي حصل في كلمة (بلبال) فأصبحت (بلبل) هو انعكاس لسيرة محي الدين المبنية على الزعم والادِّعاء، وتجسيد لظاهرة الانحراف في حياة الرجل؛ لذا فهو خَطَرٌ على المجتمع والدين. هذا ما هدفت السخرية إلى الكشف عنه. كما تهكَّم الكاتب بمحي الدين باش تارزي بندائه ومخاطبته بما كان يخاطب به نفسه، وينطق به في إعلاناته بالفرنسية (ماحي الدين MAHIDDIN). وفي ذلك مغمزٌ ودلالة كبيرة تخدم غرض

(1) البلبال والبلبالة: البرحاء في الصدر. والبلبال أيضا هو الذِّئب. ينظر القاموس المحيط ج3، ص: 338. وبلبَل القوم بلبلة وبلبالاً: حرَّكهم وهيَّجهم، والاسم البلبال، وجمعه البلابل. ينظر لسان العرب المحيط، مج1، ص: 262.

(2) جريدة الأمة، ع: 101.

١١٣ / ٤٩٤