السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١١٤الكاتب في النَّيل من شخصيَّة المسخور منه. هكذا تكون المداعبة لطيفة ومقبولة حين تكون هادفة إلى الإصلاح والتقويم، كتقويم السلوك.
3 - انحراف عن المبادئ والمجتمع:
هناك انحراف من نوع آخر، يتمثَّل في السير في ركاب الاستعمار، وخدمة مصالحه، وضرب الوطنيِّين، أو التنكُّر لحقوقهم. هذا السلوك يعدُّ انحرافاً دينيًّا؛ لأنَّه يكشف عن ضعف في الإيمان، وخروج عن المبادئ، ومساس بشعور المجتمع. في هذا الإطار يقدِّم إلينا الشيخ محمد البشير الإبراهيمي نموذجاً يجسِّد فيه هذا الانحراف. حاول من خلاله رسم شخصية "عبد الحيِّ الكتَّاني"(1). قدَّمه إلى القرَّاء بسخرية مُرَّة وتهكم لاذع. قال في تعليل اسمه المركَّب (عبد الحي) " … وإذا أنصفنا الرجل قلنا إنَّه مجموعة من العناصر، منها العلم، ومنها الظلم، ومنها الحق ومنها الباطل، وأكثرُ الشرِّ والفساد في الأرض. أطلق عليها - لكثرتها واجتماعها في ظرف - هذا الاسمُ المركَّب، الذي لا يلتقي مع الكثير منها في اشتقاق ولا دلالة وضعية، كما تطلق أسماء الأجناس المرتجلة، وكما يطلق علماء الكيمياء على مركَّباتهم أسماء لا يلمحون فيها أصلاً من أصولها … وإنَّ اسم صاحبنا لم يصدق فيه إلاَّ جزؤه الأوَّل، فهو عبد لعدَّة أشياء، جاءت بها الآثار، وجرت على ألسنة الناس، ولكنَّ أملكها به الاستعمار! أمَّا جزؤه الثَّاني، فليس هو من أسماء الله الحسنى، وإنَّما هو بمعنى القبيلة، كما يقال كاهن الحي وعرَّاف الحيِّ، وعير الحي … "(2).
(1) أبو الإسعاد عبد الحي الكتَّاني من أسرة شريفة في المغرب الأقصى، مصنِّف ومؤلِّف غزير الإنتاج، تخصَّص في علم الأنساب وعلم الحديث. كما ألَّف في التاريخ، كان مهتمًّا بجمع كتب التراث حتى كوَّن مكتبة ضخمة. من مؤلفاته: فهرس الفهارس والإثبات ومعجم المعاجم والمسلسلات و"الرحمة المرسلة في شأن حديث البسملة". يبدو أنه كان مقرَّباً من الحكومة الفرنسية، وكان مؤيِّداً للطرق الصوفية، وكان ضدَّ الحركات السلفية والوطنية والإصلاحية. معلومات أخذناها من كتاب "التأليف ونهضته بالمغرب في القرن العشرين" من سنة 1900 إلى 1972 للشيخ عبد الله الجراري. وممَّا أفادنا به الأستاذ محمد الصالح رمضان في مراسلة خاصَّة بتاريخ: 10/ 10/1993م.
(2) عيون البصائر، ص: 607،608. المقال بعنوان "عبد الحي الكتَّاني" ماهو؟ وما شأنه؟. نشر في جريدة البصائر ع: 33 (26/ 04/1948م).