السخرية في الأدب الجزائري الحديث 1925-1962م محمد بن قاسم ناصر بوحجام

السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ١١٨

هي في الحقيقة مؤهِّلات تجعل الشخص على عكس ما هو عليه "عبد الحي الكتَّاني" لكنَّ ضعة نفسه جعلته يفتتن بهذه الأوصاف، ومن ثمَّ يعمل على إذلال شعبه ومعاكسة مشاعر أمَّته، بل ويظهر براعته في استخدام كلِّ وسيلة من هذه الوسائل في ميدانها الخاص.

يقدِّم الكاتب هذه الحقيقة في صورة ساخرة ماكرة: "والرجل بارع يستخدم كلَّ واحدة من هذه في ميدانها الخاص، ويستخدمها جميعاً في الميدان العام، يستخدم العلم في الشهرة، والطرقية في الفتنة، فإذا حزب الأمر اتَّخذ من أحدهما طليعة، ومن الآخر جيشًا، ومن الشهرة أو الشرف رداءً، ولكنَّ أغلب النزعات عليه النزعةُ الطرقية، لأنَّها أكثر فائدة، وأجدى عائدة، وأقرب سبيل في باب التضليل، ناهيك بدعوى لا يحتاج صاحبها إلى إقامة دليل"(1).

حاول الكاتب - من خلال التصوير الساخر - أن يرسم أو يصنع صورة شخصية عبد الحي الكتَّاني بواسطة ألقاب تبدو في ظاهرها مدحاً، لكنَّها حين تتأمَّل وتقرأ من خلال السياق الدلاَّلي للنص، ومن خلال استقراء الحالة النفسية المتوتِّرة التي يبدو فيها الكاتب، تظهر هذه الألقاب جوفاء، بالنظر إلى سيرة المسخور منه. إذاً إنَّ التقاء هذه الألقاب في شخصه لم يرفعه بقدر ما نزل به إلى دركة الجهلة والأغرار، الذين يفتقرون إلى القدرة على التمييز وعلى التدبير؛ فارتمى في أحضان الاستعمار يحقِّق مصالحه، وينفِّدُ خططه ومؤامراته؛ متنكِّراً لمبادئه، دائسًا على علاقاته الاجتماعية مع بني ملَّته. من هنا تبدو سخرية الكاتب واضحة، وتذمُّره بارزا.

الشخص المنحرف يكون – عادة - معدناً للشَّر والفساد، وآلةً للهدم والتخريب جاهزةً في كلِّ وقت، صالحةً للقيام بأيِّ عمل يكون في هذا المضمار. لذا رأى مسمار "الشعلة" وقدَّر وظهر له أنَّ المنحرف حيوان يشبه التنِّين أو الأخطبوط، من حيث قدرته على القيام بعدَّة أعمال مرَّة واحدة - في الفساد طبعاً - لهذا تساءل تساؤل الماكر المتهكِّم عن الشخص المنحرف هل هو تنِّين أم أخطبوط؟: "التنِّين في

(1) م. ن.

١١٨ / ٤٩٤