السخرية في الأدب الجزائري الحديث 1925-1962م محمد بن قاسم ناصر بوحجام

السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ١١٩

الأساطير الصينية ثعبان كبير ذو سبعة رؤوس، كلَّما قطع له رأس إلا ونَبت مكانه رأس آخر، أمَّا الأخطبوط (القرنيط) فهو ذلك الحيوان البحري ذو الأيدي العديدة – التي لا تعمل إلاَّ الشر طبعا – في استطاعته أن يقوم بتسخيرها في وقت واحد في أعمال مختلفة، فيحرِّك بهذه سمَّاعة المسجد، ويدير بالأخرى آلة الكلية، بينما تكتب الثالثة التقارير الضافية لفائدة الاستعمار، أمَّا الرابعة فتسجِّل دفاتر، نسبت زورًا إلى شرع الله، أمَّا الخامسة فتعمل عملاً خفيًّا، لا نعلمه نحن ولا أنتم، وهو مع كلِّ ذلك خلقة عجيبة، تمتاز بعمل الأخطبوط، ودموع التمساح، وورع الذئب، ودسائس الثعلب، سبحان الذي أنشأه وصوَّره … "(1).

يكشف النص عن الحالة السائدة في الجزائر، من حيث سيطرة بعض الناس المجحفة على كلِّ الشؤون؛ إذ لا يجد المواطن أي متنفَّس، وأيَّ مجال لتجريب حرِّيته، فضلا عن إشباعها، والأدهى من ذلِكَ أنَّ كثيراً من المتقدِّمين لهذه المناصب والمطبِّقين لهذه السياسة في الإذلال والاستغلال هم من المواطنين، الذين سلبهم الاستعمار ضمائرهم وعقولهم، فأصبحوا يتحرَّكون بوحي منه، بل هم يستغلُّون ضعف المواطنين في الجانب المادي، وتأخُّرهم في المجالين الاجتماعي والثقافي - لكنّهم أقوياء في الإيمان والوطنية- فيفرضون عليهم سلطتهم، ويسلِّطون عليهم جبروتهم. بل هم ينمُّون نفوذهم على حساب ضعف هؤلاء المواطنين، تماماً مثلما يتغذَّى الأخطبوط بالحيوانات البحرية الضعيفة.

إذا ربطنا ما جاء في النص بما ورد في العدد نفسه من الجريدة، وبما جاء في افتتاحيَّتها، التي أعلن فيها أصحابها عن حرق الاستعمار بنار الشعلة، ومعه أعوانه من الحكام الجائرين والجلاَّدين … وشيِّ النوَّاب الخونة بلهيبها، والسياسيِّين المحترفين الغافلين عن أمَّتهم، والجواسيس … وكلِّ الأعداء المتكالبين على الأمَّة. إذا قمنا بهذا الربط واستحضرنا الواقع المعيش آنذاك، فهمنا معنى الرمز الساخر إلى الأخطبوط، ووعينا حقيقة مشاعر الكاتب، ووقفنا على سرِّ السخرية في النص، خاصَّة الربط بين

(1) "تنِّين أم أخطبوط" (د. إ) جريدة الشعلة، ع: 1 (15/ 12/1949م).

١١٩ / ٤٩٤