السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١٢٥من أن يصرِّح في الناس بقوله: أنَّه لا يهمُّنا شيءٌ من أمر الدين والعربية والتعليم، لأنَّنا سياسيُّون، ولا نريد أن نقدِّم شَيئاً على السياسة قبل أن تتحقَّق أهدافنا"(1).
يتهكَّم الكاتب من السياسيِّين المحترمين، الذين أعمت السياسة أبصارهم وبصائرهم، فنبذوا المبادئ وهجروا الفضائل، وأصبح سلوكهم بعيدا عن روح الإسلام، وحياتهم فقيرة من الثبات. يبدو تهكم الكاتب في انتزاع اعتراف من هؤلاء المحترمين بأنَّهم ضدُّ مقوِّمات الأمَّة الإسلامية. اعتراف لم يدلوا به صراحة، إنّما استقرأه الكاتب من سيرتهم وأعمالهم. وتزداد السخرية بروزا بفضل هذا التعليل الذكيِّ، المضحك المبكي؛ وهو أنَّ سبب الانسلاخ من المبادئ، والتقاعس عن أداء الواجب هو السياسة التي يتمسَّك بها هؤلاء لتُحقِّق لهم أهدافهم. وفي ذلك تعريض بهم لأنَّهم مرتبطون بالغرب، متنكِّرون لأصالتهم.
ثم قال بعد ذلك: "ولا أدري أيَّ شيء تصوَّره هؤلاء الإخوان وعرفوه، حين اختاروا هذه السبيل، واندفعوا فيها والحال أن أبسط العقلاء يدرك بالبداهة أنَّها إن قدّر لها النجاح فسوف لا تؤدِّي بنا أبدًا إلى كمال العرب وما فيه من عجب، وإنَّما إلى كمال الترك وما يضمر من ترك"(2).
ينعى الكاتب على هؤلاء المنحرفين عن مبادئهم كيف يختارون هذه السبيل، التي لا توصلهم ولا تسلمهم إلاَّ إلى الهاوية، ولا تحطُّ بهم إلاَّ في دركات الذلة والمهانة. وقد أضفى روح السخرية على الفقرة استعمالُ الجناس (كمال العرب وما فيه من عجب، كمال الترك وما يضمر من ترك) فكمال العرب هو الفضيلة والخلَّة الحميدة؛ لأنه يدلُّ على الحسن والفعل الجميل. وهو ما كان يحمد للعرب أيَّام عزِّهم، وللمسلمين أيَّام كانوا فضلاء. وكمال الترك رَمزٌ يدلُّ على الخيانة والغدر، وعلى التراجع عن المبادئ، والتخلي عن الأصالة، وهو ما صنعه كمال أتاتورك. وكمال الترك أدَّى إلى ترك مآثر الأجداد والأسلاف، وأخذ ما عند الغير. إذن