السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١٢٦هناك فرق كبير بين كمال العرب: عنوان المروءة والشهامة والإباء والعزَّة، وكمال الترك: رمز الضعف والوهن والتبعية.
إنَّ سبب كلِّ ذلك هو السياسة الملعونة التي وَجَّهت أبناء المسلمين، وعلَّمتهم أن يهتمُّوا بتاريخ الغير، ويهملوا تاريخهم وتاريخ آبائهم؛ لذا يظهر الكاتب تحسُّره من هذا الجانب، ومن حال أبناء الإسلام، ويصوِّره بأسلوب كاريكاتوري مضحك مبكٍ: "سل أيَّهم شئت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ونسبه وقليل من سيرته، أو عن صلاح الدين وأيَّامه، أو عن عبد القادر الجزائري، وكيف قضى أيَّامه، وأين ختمها، أو عن أيِّ شيءٍ له اتِّصال بالعروبة الحقَّة وتاريخها المجيد، فإنَّك لو فعلت لأخرج صدره ورفع شفته السفلى إلى أعلى، مُشيراً بذلك إلى أنَّه لا يدري، ولا يلزمه أن يعرف مثل هذه السفاسف، في حين أنَّه يجيبك بإسهاب وإعجاب عمَّا يعرفه من جغرافية أمِّ الوطن، وحياة نابليون، ونظرية داروين، ذلك الذي يقول بأنَّ الإنسان أصلُه قرد، ومن يشابه أباه فما ظلم"(1).
في إرسال هذا المثل في آخر الفقرة تكمن سخرية الكاتب من هؤلاء الناس، واحتقاره هذه الفئة من البشر، وتتجسَّد حسرته من صنيع أولئك المسلمين المعجبين بالغير، المؤمنين بآرائهم ونظريَّاتهم، التي تقدح في شخصيَّتهم أحياناً؛ بسبب عدم انسجامها مع مبادئ العقل والفطرة البشرية. لكنَّ داء التقليد وعيب التخلِّي عن الأصول والمبادئ وعلَّة الانبهار … كلُّ ذلك يجعل المرء يسقط في هذا الفخِّ، ويتردَّى إلى هذا المستوى. ولكن من يشابه من هو من طينته، ومن اتَّخذه قدوة وإماماً، فما ظلم نفسه؛ لأنَّه هو على شاكلته.
في هذا المثل تبدو الزفرة الحارَّة والنَّفثة الحادَّة والكمد الكمين في القلب. وكنتيجة أولية لفقدان عنصر الثبات، ومقوِّم الأصالة أن كان الجاهلون هم الضحية، وهم الجانون والمتحمِّلون للنتائج الوخيمة، فغدوا: "في حيرة من أمرهم، فلم يدروا أيستمسكون بعروة الله الوثقى، فيثبتون على ما شرع الرسول من دين، وسنِّ باديس
(1) م. ن.