السخرية في الأدب الجزائري الحديث 1925-1962م محمد بن قاسم ناصر بوحجام

السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ١٢٧

من ثورة على الجمود والإلحاد، أم يكتفون (بالعروة) الأخرى، وهم يخشون أن يكون حبلُها غير متين، فتضطرب بهم وتسبق واوها الراء فيكونوا من الخاسرين"(1).

هذا التلاعب بالألفاظ صبغ الفقرة بلون من الظرف الجاد الهادف، فالناس الجهلاء والبسطاء عدموا عنصر الثبات على مبدإ معيَّن، وافتقدوا الظفر برؤية معيَّنة، فاختلط عليهم الأمر، فلم يعرفوا هل يستمسكون بالعروة الوثقى التي شرعها الله، وبيَّنها رسوله - صلى الله عليه وسلم - ووضَّحها العلماء، فتكون هي المطلوب الاعتصام بها، أم يتعيَّن - وفقاً للتطور والتقدُّم - الاحتماء بالعروة الأخرى، التي أوجدتها السياسة. وهذه الثانية لم يطمئن إليها الناس أيضاً، فهي عروة مبتدعة، قد تنفصم؛ لأنَّ حبلها غير متين، وحقيقتها غير واضحة، ومن ثمَّ فهي غير ثابتة. والتمسُّك بها يحدث اضطراباً في حياتهم؛ وبذلك يخطئون السبيل ويتنكَّبون عن الجادَّة، فينتقلون من العروة إلى العورة، فيكونون من الخاسرين. إنَّ هذه نتيجة منطقية لفقدان عنصر الثبات.

عدم تبيُّن الإنسان موقعه في الوجود، وعدم وضوح الرؤية أمامه، وعدم معرفته حقيقته وأنيَّته المنحصرة بين المبادئ الراسخة الصحيحة، والأهداف المرسومة المعلومة تجعل، منه عنصراً غير عارف لواجبه في الحياة: لا يدري كيف يتحرَّك، ولا لماذا يعمل. ولا ماذا يصنع به … لذا تجده يتحوَّل بسرعة، ويتقلَّب كثيراً، ويميل عن الجادة بسهولة … هذا ما سجَّله الكاتب على هؤلاء الذين حوَّلتهم السياسة عن أصالتهم بسرعة، وصرفتهم عن مبادئهم، وأشغلتهم بمناقشة قضايا لا تهمُّهم، وأبعدتهم عن المسائل الأساسية، التي هي من صميم واجباتهم وأوكدها: " … فمالت طائفة عن الجادة، وأعلنت ثورتها لا على الجمود والإلحاد، ولكن على القديم بما فيه من كتاب ولغة وتاريخ، وأعلنت انضمامها إلى رجال السياسة والكياسة الموفقين، وراح الجميع يوجِّهون كامل اهتمامهم وجهودهم إلى بحث وحلِّ مشاكل خطيرة جداًّ كقضية ترومان، هل هو اليهودي أم خالته؟ وهل برادلي القائد الأمريكي عربي أم لا؟ وقد تأتيك جماعة مختارة تسألك أن

(1) م. ن.

١٢٧ / ٤٩٤