السخرية في الأدب الجزائري الحديث 1925-1962م محمد بن قاسم ناصر بوحجام

السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ١٢٨

تدلَّها عن موقع الجابون الذي نسميه بلغتنا اليابان، تسألك هل هو متَّصل بالقطر التونسي من الشرق أم من الشمال"(1).

هكذا تصنع السياسة بالنفوس، وتلعب بالعقول، تصرفها عن رسالتها الحقيقية، وتنأى بها عن أصالتها، وتشغلها بما يبعد عنها التمسُّك بمبادئها الأصلية، وتزرع فيها ما يزهِّدها في ماضيها. تلهيها بمناقشة مسائل خطيرة كتحقيق نسب ناسٍ لا شأن لهم بهم، ولا قيمة لهم في حياتهم. وقد يصل الأمرُ بالإنسان الغرِّ الجاهل، الذي يعيش على هذه الأفكار، ويتغذَّى بهذه التوجيهات، فيسألك عن موقع اليابان الذي يقع في الجنوب الأقصى لآسيا، هل هو متَّصل بتونس - الواقعة في شمال إفريقيا - من شرقها أم من شمالها.

هذه سخرية مُرَّة وحزينة بمن فقد عنصر الثباب، وتنكَّر للأصالة، فأصبح ريشةً في مهبِّ الرياح، وغدا منشغلاً عن نفسه وعن شؤونه بمصالح الغير وهمومه ومشاكله … وممَّا جمَّل هذا التهكم وحسَّنه فنِّياًّ بعضُ العبارات والألفاظ والأوصاف التي انتقاها الكاتب وانتقرها. ليعرِّض بها بمن أشار إليهم في النص، ولتعبِّر عن حقيقة مشاعره المتدفِّقة والحزينة، إذ نقرأ فيها المقت والألم، والازدراء والاندهاش، والتوتُّر النفسي. من هذه الألفاظ والعبارات: «رجال السياسة والكياسة الموفقين، حل مشاكل خطيرة، جماعة مختارة … ».

هكذا يُبدي الكاتب تهكُّمه من العرب الذين اعتلَّت نفوسهم، فخرجوا عن عروبتهم. ويُظهِر سخريته من المسلمين الذين مرضت قلوبهم فسلب منهم إسلامهم. هذه العلل هي عنوان على التخلُّف.

التخلُّف الفكري أضرَّ بالمسلمين، وبخاصة في العهود الأخيرة، إذ أفقدهم تلك الهيبة، وذلك التقدير اللذَين كانا لهم. هذا التخلف أثَّر حتىَّ على محصولهم من العلم، أو طريقة تحصيلهم له، فأصبح العالم عندهم لا قيمة له ولا وزن. يسجِّل

(1) م. ن.

١٢٨ / ٤٩٤