السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١٢٩الشيخ البشير الإبراهيمي هذه الحقيقة، ويقرِّر أنَّ من تقع عليه، العين في العصر الحديث هو عالم يقرأ ويحفظ، لكنَّه لا يفقه. سَبَبُ ذلك هو التخلُّف الفكري، الداء الذي أصاب العالم الإسلامي، فأنتج علماء (أو شبه علماء) متشابهين في حقيقتهم، لا يزيدون على كونهم نُسخاً لطبعة واحدة، وغثاء كغثاء السيل، كثرة دون فائدة. ومن تمام عيِّهم وقصورهم أنَّهم إمَّعيُّون، إذا حصل تحريف في واحدة من هذه النُّسخ وقع في جميعها، لأنَّ الواحد منهم ينقل ما ينقل ويحفظ دون فقه. هكذا يصوِّرهم الكاتب: "هذا العدد المتشابه الذي كأنَّه نسخ من طبعة واحدة من كتاب، لا يقع التحريف في واحدة منها إلاَّ وقع في جميعها، ولا يزيد واحد منهم في العدد إلاَّ كما يزيد كتاب في مكتبة، لا كما يزيد فارس في كتيبة"(1).
فالكاتب يسخر من هؤلاء؛ بنسبة التخلُّف والتأخُّر إليهم، إذ لا تعدو قيمة أحدهم سوى كونه كتاباً أضيف إلى مكتبة. لا جديدَ أتى به، ولا فائدةَ جناها المجتمع منه. فهو عضو خامل هامد قابع في زاوية، كما يركن الكتاب في ركن المكتبة، بينما المفروض أن يكون فارساً في كتيبة، لو كان له ما يؤهِّله لذلك.
يمعن الكاتب في التهكم بهؤلاء العلماء (تجاوزًا) والسخرية من تخلُّفهم؛ فيدلِّل على فكرته ورأيه فيهم: "بآية أنَّهم ما كثروا في الأمَّة إلاَّ قلَّت بهم الأمَّة، ولا ثقلوا في أنفسهم إلاَّ خفَّ وزنها في الأمم، ولا تغالوا في التعاظم إلاَّ كان ذلك نقصاً من معاني العظمة فيها"(2).
في هذه المقابلة التي اعتمدها الكاتب تكمن السخرية، وفي استخراج نتائج تغاير ما يقصد إليه هؤلاء العلماء يكون التهكم، وفي هذا التعريض بهم يبرز مقت الكاتب لهم. فهم إن كثروا في الأمَّة عدداً نقصت قيمتها وأهميَّتها - بسببهم - عند الأمم الأخرى، وإن عظموا في أنفسهم، واستشعروا ذلك، أضرُّوا بالأمَّة، ونالوها
(1) عيون البصائر، ص: 639. المقال بعنوان "من نفحات الشرق: الأستاذ محمد بهجت البيطار". نشر في جريدة البصائر الثانية، ع: 64 (24/ 01/1949م).
(2) م. ن.