السخرية في الأدب الجزائري الحديث 1925-1962م محمد بن قاسم ناصر بوحجام

السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ١٣٠

في مكانتها عند الآخرين، وإن غالوا في التعاظم، وبالغوا فيه أصابوا العظمة نفسها؛ ففقدت قيمتها – بسببهم - عند الناس.

هكذا يشمت الكاتب بهؤلاء الأدعياء، ويقدح فيهم، ثم يدلِّل أيضاً على ضعة نفوسهم ويقول: "وبآية أنَّ علمهم لم يؤهِّلهم لقيادة الأمَّة، فتركوا القيادة لغيرهم، فأصبحوا كأدوات التصدير التي يسبقها حرف الجرِّ، فيدخل عليها، ويعمل فيها"(1).

بهذا التعليل الساخر، يقدِّم إلينا الكاتب صورة رائعة عن حقيقة هؤلاء الأدعياء،. فالعلم الذي يرقى بالإنسان ويسوِّده، حَرَمَ هؤلاءِ من هذا الفضل؛ لأنَّ علمهم كان مزيَّفاً؛ إذ أرداهم، وتركهم عبيدا لغيرهم، يتحكَّمون فيهم كما يشاؤون، وكان المفروض أن يكونوا في الصدارة، يقودون غيرهم، غير أنَّهم أصبحوا هم المقودون، مثلهم مثل أدوات التصدير في النَّحو، تحتلُّ الصدارة في الجمل، لكنَّها تفقدها بمجرد دخول حروف الجرِّ عليها. فإنَّ عجزهم وضعفهم وتخلُّفهم جعلهم فريسة سهلة وصيداً ثميناً مهيَّأ للغير، يعمل فيهم ما يشاء، ويجرُّهم جراًّ، ولا يستطيعون لذلك دفعاً ولا ردًّا، بينما العلم الأصيل لا يوصل إلى هذا المصير، إنَّما يؤدِّي إليه التخلُّف والادِّعاء.

يستمرُّ الكاتب في التهكم بهذا التخلُّف، مقارنا بين حقيقة العلم والعالم في أوروبا وحقيقتهما في أوطان المسلمين؛ مظهراً تذمُّره من هذا التخلُّف، وتحسُّره من هذا السلوك، ساخراً من الذين شوَّهوا سمعة المسلمين؛ بادِّعائهم ما ليس عندهم، وزعمهم أنَّهم يملكون أسمى شيء وهو العلم. وقد جسَّد الكاتب هذه السخرية، وهذا التهكم في أسلوب اتَّسم بالشماتة والتعليل والمقارنة والمقابلة … حتى يخرج ما في قلبه من كمد، وما في صدره من نفثات، عسى ذلك يُسهِمُ في تدارك الأمر، وتغيير الحال إلى ما هو أحسن.

من مظاهر التخلف وأمارات العجز والعيِّ والقصور أن لا يفقه الإنسان ما يجري حوله، ولا يعي رسالته في الوجود، ويرضى أن يعيش على هامش الحياة.

(1) م. ن.

١٣٠ / ٤٩٤