السخرية في الأدب الجزائري الحديث 1925-1962م محمد بن قاسم ناصر بوحجام

السخرية في الأدب الجزائري الحديث لبوحجام - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ١٣١

بعض الناس يرضون بهذا السلوك، ويعيشون دون أية عقدة. يصوِّر أحمد رضا حوحو ذلك في حوار جرى بينه وبين حماره:

"قال حمار الحكيم - سألني سائل عن الحرية والعدالة الإنسانية، ما هي معانيها؟ وهل لها وجود حقيقي في الأرض وبين البشر؟ أم هي مجرَّد كلمات تزيِّن قواميس اللغة؟

قلت – لا شك أن الذي سألك معتوه.

قال – لماذا؟

قلت – لأنَّه لا يوجد فلاسفة بين البشر اليوم حتىَّ يوجد فيلسوف بين الحمير يوجه إليه سؤاله.

قال – إنَّك تُهينني دائماً، وتحطُّ من قدري، ولو لم أكن حماراً لما تحمَّلتك إلى هذا الحد.

قلت – أرجو أن لا يذهب بك الغرور إلى أن تدَّعي أنَّك فيلسوف القرن العشرين.

قال – أنا لا أدَّعي ذلك، ولكن هذا لا يمنعني من إجابته.

قلت – يا صاحبي ما لنا ولهذه الأشياء العميقة العويصة، فحسبنا أن نكتب على هامش الحياة، ولنترك هذه البحوث إلى سادتنا الفلاسفة والعلماء"(1).

السخرية في النص تبدو في ردِّ الكاتب على سؤال الحمار، لا شكَّ أن الذي سألك معتوه ناقص العقل؛ لأنَّه لا يعرف أنَّه ليس بين بني البشر اليوم فلاسفة، حتى يكونوا في زمرة الحمير. وفي التعبير تعريض بحالة التخلف والتأخر التي تسود العالم الإسلامي. ويكمن التهكم أيضاً في إجابته بأنَّه لا داعي للاشتغال بالأمور الجادَّة العميقة، التي تحتاج إلى بذل جهد وعمل تفكير. فلنترك ذلك إلى العلماء والفلاسفة وأصحاب الهمم، فنحن دون هذا المستوى. ولنشتغل بما لا يعني ولا يفيد، ولنكتب على هامش الحياة بعيداً عن الواقع المعيش. هذا التفكير نفسه انعكاس وتسجيل لظاهرة التخلف التي انتشرت في بعض المجتمعات الإسلامية، وقد أشار إليها بشيء من الغمز واللمز.

(1) أحمد رضا حوحو، مع حمار الحكيم ط2، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، سنة 1988م، ص: 52،53.

١٣١ / ٤٩٤